سورة الشعراء مكية ، وآياتها 227 ، نزلت بعد سورة الواقعة ، وسميت بهذا الاسم لذكر الشعراء فيها ، في قوله تعالى : { والشعراء يتبعهم الغاوون } [ الشعراء : 224 ] .
موضوع السورة الشعراء هو موضوع السور المكية جميعا ، وهو تثبيت العقيدة وتلخيص عناصرها الأساسية ، ويتمثل ذلك في دعوة السورة إلى توحيد الله : { فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } [ الشعراء : 213 ] .
وبيان قدرة الله الفائقة ، ونعمه السابغة على لسان إبراهيم الخليل حين يقول : { الذي خلقني فهو يهدين* والذي هو يطعمني ويسقين* وإذا مرضت فهو يشفين* والذي يميتني ثم يحيين* والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } [ الشعراء : 78-82 ] .
ثم تستطرد السورة إلى وعيد المكذبين بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة ، حيث تقول : { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون } [ الشعراء : 6 ]
{ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } [ الشعراء : 227 ] .
ذلك إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن : { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } [ الشعراء : 3 ] .
وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين ، وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين ، كما ثبت من قبلهم من المؤمنين .
القصص غالب على سورة الشعراء ، يشغل معظم السورة ، فمجموع آياتها 227 آية ، منها 180 آية تحتوي على قصص هادف يمس شغاف القلوب ، ويبين رعاية الله للأنبياء والمرسلين ، ومن هذا القصص :
ذكرت قصة موسى وفرعون في الآيات : [ 10-68 ]
وفيها سبعة مشاهد " أولها : مشهد النداء والبعثة والوحي والمناجاة بين موسى وربه ، وثانيها : مشهد مواجهة موسى لفرعون وملئه ، وتأييد موسى بآيتي العصا واليد البيضاء ، وثالثها : مشهد التآمر وجمع السحرة وحشد الناس للمباراة الكبرى ، ورابعها : مشهد إيمان السحرة وتهديد فرعون ووعيده . وخامسها : مشهد إيحاء الله لموسى أن يسرى بعباده ليلا . وسادسها : مشهد إرسال فرعون في المدائن حاشرين يجمعون الجنود لملاحقة بني إسرائيل ، وسابعها : مشهد المواجهة أمام البحر ، ونهاية القصة بانفلاق البحر ، وغرق الظالمين ، ونجاة المؤمنين .
تستغرق قصة إبراهيم الآيات : [ 69-104 ] والحلقة التي تعرض هنا من قصة إبراهيم- عليه السلام- هي حلقة الرسالة إلى قومه ، وحواره معهم حول العقيدة ، وإنكار الآلهة المدعاة ، والاتجاه بالعبادة إلى الله ، وبيان صفات الله وفضله وعظيم نعمائه ، فهو الذي يخلق ويطعم ويسقي ، ويشفي ويحيي ويميت ، ويغفر الذنب ، ويحاسب الناس ، ويكافئ المؤمنين ، ويعاقب الغاوين .
وفي أعقاب قصة إبراهيم مشهد كامل من مشاهد القيامة ، يتنكر فيه العباد للآلهة ، ويندمون على الشرك الذي انتهى بهم إلى ما هم فيه ، كأنهم قد صاروا فعلا في موقف الحساب والجزاء ، وهنا عبرة القصة للمشركين .
ومن ثم يتوسع في الحديث عن مقومات عقيدة التوحيد ، وفساد عقيدة الشرك ، ومصير المشركين في يوم الدين ، لأن التركيز متجه إليه ، وتختصر السورة ما عدا ذلك مما يفصل في سور أخرى .
تستغرق قصة نوح –عليه السلام- الآيات [ 105-122 ] ونلحظ أن القصص في سورة الشعراء لا يتبع التسلسل التاريخي فقد عرضت قصة موسى ، ثم قصة إبراهيم ، ثم قصة نوح ، ولو أراد أن يتبع التسلسل التاريخي لعرض قصة نوح أولا ، ثم قصة إبراهيم ثانيا ، ثم قصة موسى ثالثا .
لكنه في هذه السورة كان يذكر الأحداث ، ثم يرجع القهقري من قصة إبراهيم إلى قصة نوح ، لأن الخط التاريخي ليس هو المقصود هنا ، بل المقصود هو العبرة من نهاية الشرك والتكذيب .
وقصة نوح ومن قبلها قصة موسى وقصة إبراهيم قد عرضت في سور شتى سابقة .
لكن الجانب الذي يعرضه من القصة يأتي مناسبا لسياق السورة ، وللعظة والعبرة المقصودة منها .
وتعرض قصة نوح في الغالب في سلسلة مع قصص عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين –كما تشاهد في هذه السورة- وأظهر ما في الحلقة المعروضة في سورة الشعراء هنا هو دعوة نوح قومه إلى تقوى الله ، وإعلانه أنه لا يطلب منهم أجرا على الهدى ، وإباؤه أن يطرد المؤمنين الفقراء الذين يستنكف منهم الكبراء –وهذا ما كان يواجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة سواء بسواء- ثم دعاؤه لربه أن يفتح بينه وبين قومه واستجابة الله له بإغراق المكذبين وإنجاء المؤمنين .
تستغرق قصة نبي الله هود الآيات : [ 123-140 ]
وقبيلة عاد –وهم قوم هود- كانوا يسكنون الأحقاف ، وهي جبال رملية قرب حضر موت من ناحية اليمن ، وقد جاءوا بعد قوم نوح ، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة الطوفان الذي طهر وجه الأرض من العصاة .
واتخذت عاد المساكن المرتفعة والمصانع المشيدة ، وبلغت شأوا بعيدا من الحضارة الصناعية ، وزادتها القوة بطرا وقسوة : فكفرت بنعم الله ، وتطاولت وتجبرت ونسيت الخالق الرازق ، وكذبوا نبي الله هود فأهلكهم الله ودمر مصانعهم ودورهم ، وصب عليهم العذاب من فوقهم ومن تحتهم ، وتركهم عبرة لكل طاغية : { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } [ الشعراء : 139 ] .
تستغرق قصة ثمود الآيات [ 141-159 ] .
وقد دعاهم نبي الله صالح إلى عبادة الله ، وذكرهم بما هم فيه من نعمة ، وكانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك : فاستحث راحلته وحنى ظهره وجلاً وخشوعا لله وقال للمسلمين : ( لا تمروا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم مشفقون ، خشية أن يصيبكم ما أصابهم ) .
لقد كانت ثمود في نعمة فكفروا بنعمة الله عليهم ، وذكرهم صالح بقدر الله ، فطلبوا منه معجزة ؛ فأعطاه الله الناقة ، على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم ، وحذرهم صالح أن ينالوا الناقة بسوء على الإطلاق ، وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم .
ولكنهم استمروا في عنادهم وظلمهم ، فنحروا الناقة ، وكذبوا صالحا ، وأحسوا بالندم بعد فوات الأوان ، فأخذهم عذاب الله العادل : { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين* وإن ربك لهو العزيز الرحيم } [ الشعراء : 158-159 ] .
تستغرق قصة لوط الآيات : [ 160-175 ]
وقد كان قوم لوط يسكنون عدة قرى في وادي الأردن ، واشتهر بينهم الشذوذ الجنسي بإتيان الذكور وترك النساء ، وهو انحراف شنيع في الفطرة ، فقد برأ الله الذكر والأنثى وفطر كلا منهما على الميل إلى صاحبه لتحقيق حكمته ومشيئته في امتداد الحياة عن طريق النسل الذي يتم باجتماع الذكر والأنثى ، فكان هذا الميل طرفا من الناموس الكوني العام .
ولكن قوم لوط خرجوا على الفطرة ، واستباحوا الفاحشة ، وهددوا لوطا بالطرد والنفي : فخسف الله قراهم وغطاها الماء ، ومنها قرية سدوم ، ويظن أنها ثاوية تحت البحر الميت في الأردن .
تستغرق قصة أصحاب الأيكة الآيات : [ 176-191 ]
والأيكة : الشجر الكثيف الملتف ، وهم أهل مدين ، ونبيهم شعيب عليه السلام ، وكان شأنهم تطفيف الكيل والميزان ، وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط وحسن المعاملة ، فكذبوا نبيهم : فأخذهم عذاب يوم عظيم في يوم حار خانق يكتم الأنفاس ويثقل الصدور ، ثم تراءت لهم سحابة فاستظلوا بها ، فوجدوا لها بردا ثم إذا هي الصاعقة المجلجلة المدوية ، تفزعهم وتدمرهم تدميرا وكان ذلك يوم الظلة ، فالظلة كانت سمة اليوم المعلوم .
{ فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم } [ الشعراء : 189 ] .
الآيات الأخيرة من سورة الشعراء تعقيب على قصص المرسلين فيها ، وتأكيد على بعض أهداف الرسالة السماوية ، فقد ذكر الله في هذه القصص : قصة الرسل والرسالات ، وقصة التكذيب والإعراض ، وقصة التحدي والعقاب ، وتمثلت هذه المعاني في قصة موسى مع فرعون ، وقصة إبراهيم مع أبيه وقومه ، وقصة نوح مع قومه ، وقصة هود مع عاد ، وقصة صالح مع ثمود ، وقصة لوط مع قومه ، وقصة شعيب مع أصحاب الأيكة ، فلما انتهى القصص عاد السياق إلى موضوع السورة ، وهو العقيدة والإيمان بالله ورسله واليوم الآخر . وقد جاء التعقيب الأخير في السورة يتحدث عن القرآن فيؤكد أنه تنزيل من رب العالمين .
ويشير إلى أن علماء بني إسرائيل يعرفون خبر هذا الرسول وما معه من القرآن : لأنه مذكور في كتب الأولين ، إنما المشركون يعاندون الدلائل الظاهرة ، ويزعمون أنه سحر أو شعر ، ولو أن أعجميا لا يتكلم العربية نزل عليه هذا القرآن فتلاه عليهم بلغتهم ما كانوا به مؤمنين ، لأن العناد هو الذي يقعد بهم عن الإيمان ، لا ضعف الدليل ، وما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كما تتنزل بالأخبار على الكهان ، وما هو كذلك بشعر ، فإن له منهجا ثابتا ، والشعراء يهيمون في كل واد وفق الانفعالات والأهواء ، إنما هو القرآن المنزل من عند الله تذكيرا للمشركين قبل أن يأخذهم الله بالعذاب ، وقبل أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون : { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } [ الشعراء : 227 ] .
وقد استغرق هذا التعقيب الأخيرة على القصص الآيات من 192 إلى 227 ، وختم هذا التعقيب بهذا التهديد المخيف الذي يلخص موضوع السورة .
تلك السورة التي اشتملت على تصوير عناد المشركين ومكابرتهم ، واستهتارهم بالوعيد ، واستعجالهم بالعذاب ، كما اشتملت على مصارع المكذبين على مدار الرسالات والقرون .
{ طسم ( 1 ) تلك آيات الكتاب المبين( 2 ) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين( 3 ) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين( 4 ) وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين( 5 ) فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون( 6 ) أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم( 7 ) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ( 8 ) وإن ربك لهو العزيز الرحيم( 9 ) } .
هذه الأحرف المقطعة في فواتح السور ، للعلماء فيها رأيان :
الأول : أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه ، ولا يعرف معناها أحد سواه .
الثاني : أن لها معنى ، وتعددت الآراء في تحديد هذا المعنى ، فمنهم من قال : هي أسماء للسورة ، وقيل : هي إشارة إلى أسماء الله أو صفاته ، وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان أن القرآن مكون من حروف عربية تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ، فدلّ ذلك على أنه ليس من صنع بشر . وإنما تنزيل من حكيم حميد .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
سورة الشعراء مكية، غير آيتين فإنهما مدنيتان؛ أحدهما: قوله تعالى: {أو لم يكن لهم آية أن يعلمه} الآية، والأخرى قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون}.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
سورة الشعراء هذه السورة مكية كلها فيما قال جمهور الناس.
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :
سورة الشعراء مكية إلا الآية 197 ومن آية 224 إلى آخر السورة فمدنية.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
وقال المهايمي: سميت هذه السورة بها، لاختصاصها بتمييز الرسل عن الشعراء، لأن الشاعر، إن كان كاذبا فهو رئيس الغواة لا يتصور منه الهداية، وإن كان صادقا لا يتصور منه الافتراء على الله تعالى، وهذا من أعظم مقاصد القرآن. انتهى.
يشير إلى أن ذكر الشعراء فيها، لبيان أنهم في معزل عن الرسالة وتبرئة مقام الرسول صلوات الله عليه وسلامه، عما افتروا عليه من أنه شاعر؛ فالسورة على هذا كلها مكية، ردا لفريتهم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
موضوع هذه السورة الرئيسي هو موضوع السور المكية جميعا.. العقيدة.. ملخصة في عناصرها الأساسية: توحيد الله: (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين).. والخوف من الآخرة: (ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).. والتصديق بالوحي المنزل على محمد رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: (وإنه لتنزيل رب العالمين؛ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين).. ثم التخويف من عاقبة التكذيب، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين؛ وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين: (فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون!).. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). ذلك إلى تسلية الرسول [صلى الله عليه وسلم] وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين؛ وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين؛ كما ثبت من قبلهم من المؤمنين.
وجسم السورة هو القصص الذي يشغل ثمانين ومائة آية من مجموع آيات السورة كلها. والسورة هي هذا القصص مع مقدمة وتعقيب. والقصص والمقدمة والتعقيب تؤلف وحدة متكاملة متجانسة، تعبر عن موضوع السورة وتبرزه في أساليب متنوعة، تلتقي عند هدف واحد.. ومن ثم تعرض من كل قصة الحلقة أو الحلقات التي تؤدي هذه الأغراض. ويغلب على القصص كما يغلب على السورة كلها جو الإنذار والتكذيب، والعذاب الذي يتبع التكذيب. ذلك أن السورة تواجه تكذيب مشركي قريش لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] واستهزاءهم بالنذر، وإعراضهم عن آيات الله، واستعجالهم بالعذاب الذي يوعدهم به؛ مع التقول على الوحي والقرآن؛ والادعاء بأنه سحر أو شعر تتنزل به الشياطين! والسورة كلها شوط واحد -مقدمتها وقصصها وتعقيبها- في هذا المضمار. لذلك نقسمها إلى فقرات أو جولات بحسب ترتيبها.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
اشتهرت عند السلف بسورة الشعراء لأنها تفردت من بين سور القرآن بذكر كلمة الشعراء. وكذلك جاءت تسميتها في كتب السنة. وتسمى أيضا سورة طسم...
ولعلها أول سورة جمعت ذكر الرسل أصحاب الشرائع المعلومة إلى الرسالة المحمدية...
الأغراض التي اشتملت عليها: أولها التنويه بالقرآن، والتعريض بعجزهم عن معارضته، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من إعراض قومه عن التوحيد الذي دعاهم إليه القرآن. وفي ضمنه تهديدهم على تعرضهم لغضب الله تعالى، وضرب المثل لهم بما حل بالأمم المكذبة رسلها والمعرضة عن آيات الله. وأحسب أنها نزلت إثر طلب المشركين أن يأتيهم الرسول بخوارق، فافتتحت بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت له ورباطة لجأشه بأن ما يلاقيه من قومه هو سنة الرسل من قبله مع أقوامهم مثل موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب؛ ولذلك ختم كل استدلال جيء به على المشركين المكذبين بتذييل واحد هو قوله {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تسجيلا عليهم بأن آيات الوحدانية وصدق الرسل عديدة كافية لمن يتطلب الحق ولكن أكثر المشركين لا يؤمنون وأن الله عزيز قادر على أن ينزل بهم العذاب وأنه رحيم برسله فناصرهم على أعدائهم. قال في الكشاف: كل قصة من القصص المذكورة في هذه السورة كتنزيل برأسه. وفيها من الاعتبار ما في غيرها فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تختم بما اختتمت به صاحبتها، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأبعد من النسيان، ولأن هذه القصص طرقت بها آذان وقرت عن الإنصات للحق فكوثرت بالوعظ والتذكير وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا أو يفتق ذهنا اه. ثم التنويه بالقرآن، وشهادة أهل الكتاب له، والرد على مطاعنهم في القرآن وجعله عضين، وأنه منزه عن أن يكون شعرا ومن أقوال الشياطين، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته، وأن الرسول ما عليه إلا البلاغ، وما تخلل ذلك من دلائل.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ومحور الحديث في بداية هذه السورة وفي نهايتها: إبطال الشبهات التي يرددها أعداء القرآن، والرد عليهم بأقوى حجة وأسطع برهان، ولا سيما ما يموهون به من وصف الرسول بكونه شاعرا من الشعراء، وما يلوحون به من كون القرآن الذي أنزل عليه إنما هو نوع من الشعر الذي هو منه براء، وقد حكى كتاب الله مقالتهم من قبل في سورة الأنبياء: {بل قالوا أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر} [الآية: 5]، وسيحكيها مرة ثانية في سورة الصافات: {ويقولون أينا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصافات: 36]، ومرة ثالثة في سورة الطور: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور: 30]. وأبطل كتاب الله زعمهم، وسفه رأيهم، فقال في سورة يس: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} [الآية: 69]، وقال في سورة الحاقة: {وما هو بقول شاعر، قليلا ما تؤمنون} [الآية: 41]، غير أن "سورة الشعراء "التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي التي فصلت القول في إبطال هذه الشبهة تفصيلا، وعرضت الأدلة التي تبطلها دليلا فدليلا. وبين بداية هذه السورة ونهايتها المتعلقين بمعجزة القرآن تخللت آياتها البينات قصة موسى مع فرعون وقومه، ابتداء من الآية التاسعة، وهي قوله تعالى: {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون}، ثم قصة إبراهيم مع قومه، ابتداء من الآية التاسعة والستين، وهي قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين}، ثم قصة نوح مع قومه، ابتداء من الآية الخامسة بعد المائة، وهي قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين، إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون}، ثم قصة هود مع عاد، ابتداء من الآية الثالثة والعشرين بعد المائة، وهي قوله تعالى: {كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون}، ثم قصة صالح مع ثمود، ابتداء من الآية الواحدة والأربعين بعد المائة، وهي قوله تعالى: {كذبت ثمود المرسلين، إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون}، ثم قصة لوط مع قومه، ابتداء من الآية الستين بعد المائة، وهي قوله تعالى: {كذبت قوم لوط المرسلين، إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون}، ثم قصة شعيب مع أصحاب الأيكة، ابتداء من الآية السادسة والسبعين بعد المائة، وهي قوله تعالى: {كذب أصحاب ليكة المرسلين، إذ قال لهم شعيب ألا تتقون}. ويلاحظ في ترتيب قصص الأنبياء المذكورة في هذه السورة أن الأسبق منها في الذكر كان هو الأقرب على عهد الرسالة المحمدية، ثم يليه ما فوقه، فقد وقع البدء بقصة موسى قبل قصة إبراهيم، ثم تلتها قصة إبراهيم قبل قصة نوح وهكذا، لأن الأمر يتعلق بتثبيت الرسول في دعوته، وضرب المثل له بما أصاب الرسل السابقين من أجل قيامهم بمثل رسالته، حتى يصمد ويثابر، ويصبر ويصابر، بينما ذكرت هذه القصص كلها أو بعضها في سور أخرى حسب وقوعها أولا بأول، وذلك في سياق الحديث عن بدء الخليفة وبدء الحياة البشرية، وما رافقها وتعاقب عليها في تسلسلها التاريخي من الرسالات الإلهية، من عهد آدم أب البشر أجمعين، إلى عهد خاتم الأنبياء والمرسلين. على أن إيراد قصص الأنبياء في عدة سور لا يعد من قبيل التكرار، إذ لا تعاد القصة في أية سورة بنفس ألفاظها وبكامل عناصرها وجميع حلقاتها، وإنما يؤتي منها في كل مقام بالعنصر المناسب للسياق، وبالحلقة التي لها بالموضوع ارتباط وثيق والتصاق، فيزيد ذلك أسلوب القرآن تألقا وجمالا، ويضيف إلى إعجازه تفوقا وكمالا. وقد اختار كتاب الله أن يختم كل قصة من القصص الواردة في هذه السورة بقوله تعالى: {إن في ذلك لآيات، وما كان أكثرهم مومنين، وإن كان ربك لهو العزيز الحكيم} فأعيدت هذه الآية سبع مرات بعدد القصص السبع، علاوة على ورودها قبل ذلك في صدر السورة، تعقيبا على ما في خلق النبات وتنوع أصنافه، من حكمة إلهية، ومصلحة إنسانية، إذ قال تعالى: {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}. وإنما أعيد ذكر هذه الآية عقب كل قصة من قصص الأنبياء السابقين، إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية لاستخلاص العبر واستذكار المثلات، بالنسبة لما مضى وما هو آت، فالرسول عليه الصلاة والسلام يأخذ منها العبرة التي تناسب منصب الرسالة، بما له من مسؤوليات وتبعات، وما يتطلب القيام به على الوجه الأكمل من المتاعب والتضحيات، كما يستخلص العبرة منها من آمن من قومه ومن كفر، إذ فيما أصاب أقوام الرسل السابقين، من النجاة والخلاص، أو الهلاك والخسران، اللذين تضمنهما كل قصة، عبرة لمن اعتبر، {إن في ذلك لآية}، وهي تتضمن فوق ذلك تقرير حقيقة تاريخية ثابتة، ألا وهي أن انتصار الرسل وانتشار الرسالات لا يعني القضاء التام على أولياء الشيطان، الذين تعهد بإغوائهم والإيحاء إليهم في كل زمان، فالدنيا دار ازدواج وامتزاج يعيش فوق سطحها البر والفاجر، ويصطدم في ساحتها المومن بالكافر {وما كان أكثرهم مومنين}، وتنتهي الآية المشار إليها بخطاب كريم، من رب رحيم، يوجهه الحق سبحانه وتعالى إلى خاتم أنبيائه ورسله، مذكرا إياه أن الله لأعدائه بالمرصاد، ولأوليائه بالرحمة والإمداد {وإن ربك لهو العزيز} بالنسبة لأعدائه {الرحيم} بالنسبة لأوليائه. والآن وقد قدمنا فكرة عامة عما تضمنته سورة الشعراء من موضوعات نركز القول على مجموعة مختارة من آياتها البينات.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
تأويل الكلام على قول ابن عباس والجميع: إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد صلى الله عليه وسلم في هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنزلته إليه من قبلها الذي بيّن لمن تدبره بفهم، وفكّر فيه بعقل، أنه من عند الله جلّ جلاله، لم يتخرّصه محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يتقوّله من عنده، بل أوحاه إليه ربه.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(طسم. تلك آيات الكتاب المبين).. طاء. سين. ميم.. الأحرف المقطعة للتنبيه إلى أن آيات الكتاب المبين -ومنها هذه السورة- مؤلفة من مثل هذه الأحرف؛ وهي في متناول المكذبين بالوحي؛ وهم لا يستطيعون أن يصوغوا منها مثل هذا الكتاب المبين. والحديث عن هذا الكتاب متداول في السورة. في مقدمتها ونهايتها. كما هو الشأن في السور المبدوءة بالأحرف المقطعة في القرآن.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
يأتي في تفسيره من التأويلات ما سبق ذِكره في جميع الحروف المقطعة في أوائل السور في معان متماثلة. وأظهر تلك المعاني أن المقصود التعريض بإلهاب نفوس المنكرين لمعارضة بعض سور القرآن بالإتيان بمثله في بلاغته وفصاحته وتحدّيهم بذلك والتورك عليهم بعجزهم عن ذلك.