{ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قول كريما 23 }
أف : اسم صوت ينبئ عن التضجر والتألم ، يقال : لا تقل لفلان : أف ، أي : لا تتعرض له بنوع من الأذى والمكروه .
كريما : أي : جميلا لا شراسة فيه ، قال الراغب : كل شيء يشرف في جنسه يقال : إنه كريم .
تصدرت هذه الآية جملة من الوصايا والأوامر والنواهي التي تتعلق بآداب السلوك في واقع الحياة .
وهي : الأمر بعبادة الله وحده والتزام أوامره واجتناب نواهيه ومن هذه الأمور :
بر الوالدين ، وصلة الرحم ، والعطف على المسكين وابن السبيل في غير إسراف ولا تبذير ، وتحريم قتل الذرية ، وتحريم الزنا ، وتحريم القتل ، ورعاية مال اليتيم ، والوفاء بالعهد ، وتوفية الكيل والميزان ، والتثبيت في القول ، والنهي عن الخيلاء والكبر . وتنتهي الأوامر بالتحذير من الشرك ، فهذه الأوامر كلها محصورة بين الأمر بطاعة الله ، والنهي عن الإشراك به ، والتزام الفضائل التي دعا إليها ، والبعد عن الرذائل التي حذر منها ومما يساعد الإنسان على هذا السلوك المهذب عقيدته الصادقة التي تقوم على الإيمان بالله وإتباع شريعته وهديه تلك الشريعة التي يقوم عليها بناء الحياة وسعادة المجتمع .
23- { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما أن يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف {[363]} ولا تنهر هما وقل لهما قولا كريما } .
أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نفرده بالعبادة أو نخصه بالتوحيد وهذا معنى { إياك نعبد وإياك نستعين } أي : لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك فأنت نعم المولى ونعم المعين .
ثم أمرنا الله بالإحسان إلى الوالدين وبالغ في هذه الوصية وكررها في القرآن الكريم ؛ لأن الوالدين أصل حياة الإنسان فالله هو الخالق الموجد المسبب . والوالدان هما السبب المباشر لوجود الإنسان وقد تحملا في سبيل رعايته وتربيته وتهذيبه كل صعب وذلول .
فوجب أن يكافأ الإحسان بالإحسان وأن ترد التحية بأحسن منها خصوصا عند العجز والشيخوخة فذلك هو التضامن الاجتماعي والتكافل الإسلامي الذي يحفظ للأسرة تماسكها وترابطها .
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يؤلفهم في الموطن الخشن
وقد يسأل سائل : لم تكررت وصية الله للأبناء بأن يبروا أبناءهم ؟
والجواب سهل ميسور ؛ ذلك أن الغريزة والفطرة تدفع الوالدين على رعاية الأبناء والتضحية بكل شيء في سبيلهم وكما تمتص النبتة الخضراء كل غداء في الحبة فإذا هي فتات ؛ ويمتص الفرخ كل غداء في البيضة فإذا هي قشر ، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية – إن أمهلهما الأجل- وهما مع ذلك سعيدان .
فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ، ويندفعون إلى الأمام ، إلى الزوجات والذرية . . وهكذا تندفع الحياة .
ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى التوصية بالأبناء ، إنما يحتاج الأبناء إلى تذكيرهم بحق الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف .
وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد ، بعبادة الله .
ثم تأخذ الآيات في تأكيد هذا المعنى وتحريك عاطفة الحنان والرحمة في صدر الأبناء نحو الآباء فتقول : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أوكلاهما } . ( الإسراء : 23 ) والكبر له جلاله ، وضعف الكبر له إيحاؤه ، وكلمة عندك تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف .
أي : إذا وصل الوالدان عندك أو أحدهما إلى حال الضعف والعجز وصارا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوله ؛ وجب عيك أن تشفق عليهما ، وأن تعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه ويتجلى ذلك بأن تتبع معهما الأمور التالية :
( أ ) أن لا تتأفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما حتى لو كنت تقضي لهما جميع الأمور لتي كانا يقضيانها لك وأنت صغير فاستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال ، ولا تقل لهما إذا أضجرك ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنتهما : أف ، فضلا عما يزيد عليه ، وفي الأثر : لو علم الله أدنى من أف لقالها .
( ب ) ولا تنهرهما ولا تنغّص عليهما بكلام تزجرهما به بغلظة بل استعمل الرفق واللين والأدب وتحمل منهما ؛ لأن لهما عقلية وتفكيرا وآراء تناسب ضعفهما ، قال تعالى :
{ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } . ( الروم : 54 ) .
وقد يكون أحدهما جائرا أو ظالما أو مخالفا لك في الرأي فحاول أن تنفذ له أمره ولو كان على خلاف رأيك ما لم يكن إثما أو ذنبا ؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية خالق .
( ج ) { وقل لهما قولا كريما } . أي : قولا حسنا رقيقا فإن الإنسان في هذه السن الكبيرة كالمريض يحتاج على البسمة الجميلة والكلمة الطيبة التي تشرح صدره وتشعره بأنه صاحب الجميل السابق والفضل المتقدم فالأب في كبره ينتظر من ابنه العرفان والثناء ، فهذا لعرفان يشيع فيه السرور والرضا ويقنعه أنه ليس عالة ولا ثقلا بل هو يسترد معروفا سابقا ويجني ثمرة غرسها بيديه الكريمتين .
أما إذا قابلته بالعقوق والجحود ؛ فإنه يأسى على ما قدم لك من رعاية حانية في عمرك الطويل كما قال الشاعر العربي يعدد نعمه على ولده وقد عقه في كبره :
غذوتك مولودا وعلتك يافعا *** تعل بما أجنى عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت *** لسقمك إلا ساهرا أتمل
كأني أنا المطروق دونك بالذي *** طرقت به دوني فعيني تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها *** لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) }
وأَمَر ربك -أيها الإنسان- وألزم وأوجب أن يفرد سبحانه وتعالى وحده بالعبادة ، وأمر بالإحسان إلى الأب والأم ، وبخاصة حالةُ الشيخوخة ، فلا تضجر ولا تستثقل شيئًا تراه من أحدهما أو منهما ، ولا تسمعهما قولا سيئًا ، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ ، ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح ، ولكن ارفق بهما ، وقل لهما -دائما- قولا لينًا لطيفًا .
وبعد أن ذكر - سبحانه - الأساس فى قبول الأعمال ، وهو إخلاص العبادة له - عزَّ وجل - وحده ، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من شرائط الإِيمان الحق وشعائره فقال - تعالى - : { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً . . } .
قال القرطبى ما ملخصه : { قضى } أى : أمر وألزم وأوجب . . .
والقضاء يستعمل فى اللغة على وجوه ، فالقضاء بمعنى الأمر ، كما فى هذه الآية والقضاء بمعنى الخلق كقوله { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } يعنى خلقهن ، والقضاء بمعنى الفراغ من الشئ ، كقوله { قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أى فرغ منه .
والقضاء بمعنى الارادة . كقوله - تعالى - : { إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . . } والمعنى : لقد نهى ربك عن الاشراك به نهيا قاطعا ، وأمر أمرا محكما لا يحتمل النسخ ، بأن لا تعبدوا أحدا سواه ، إذ هو الخالق لكل شئ ، والقادر على كل شئ ، وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شئ إلا بإذنه - سبحانه - .
فالجملة الكريمة أمر لازم لإِخلاص العبادة لله ، بعد النهى عن الإِشراك به فى قوله - تعالى - : { لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ . . } وقد جاء هذا الأمر بلفظ { قضى } زيادة فى التأكيد ، لأن هذا اللفظ هنا يفيد الوجوب القطعى الذى لا رجعة فيه ، كما أن اشتمال الجملة الكريمة على النفى والاستثناء - وهما أعلا مراتب القصر - يزيد هذا الأمر تأكيدا وتوثيقا .
ثم أتبع - سبحانه - الأمر بوحدانيته ، بالأمر بالإِحسان إلى الوالدين فقال : { وبالوالدين إحسانا } .
أى : وقضى - أيضا - بأن تحسنوا - أيها المخاطبون - إلى الوالدين إحسانا كاملا لا يشوبه سوء أو مكروه .
وقد جاء الأمر بالاحسان إلى الوالدين عقب الأمر بوجوب إخلاص العبادة لله ، فى آيات كثيرة . منها قوله - تعالى - : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً . . } وقوله - تعالى - : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين إِحْسَاناً . . } ولعل السر فى ذلك هو الإِشعار للمخاطبين بأهمية هذا الأمر المقتضى لوجوب الإِحسان إلى الوالدين ، حيث إنهما هما السبب المباشر لوجود الإِنسان فى هذه الحياة ، وهما اللذان لقيا ما لقيا من متاعب من أجل راحة أولادهما ، فيجب أن يقابل ما فعلاه بالشكر والاعتراف بالجميل .
قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب ، وهو الإِحسان إلى الوالدين ، ولم تذكر بأسلوب النهى سموا بالإِنسان عن أن تظن به الإِساءة إلى الوالدين ، وكأن الاساءة إليهما ، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها . . .
ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الإِحسان فقال : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً .
و { إما } حرف مركب من " إن " الشرطية ، ومن " ما " المزيدة عليها للتأكيد ، وقوله : { أحدهما } فاعل يبلغن . وقرأ حمزة والكسائى { إما يبلغان } فيكون قوله { أحدهما } بدل من ألف الاثنين فى { يبلغان } .
وقوله { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } جواب الشرط .
قال الآلوسى : و { أف } اسم صوت ينبئ عن التضجر ، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر . .
وفيه نحو من أربعين لغة . والوارد من ذلك فى القراءات سبع ثلاث متواترة ، وأربعة شاذة .
فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين ، وهو للتنكير : فالمعنى : فلا تقل أتضجر تضجرًا ما .
وقرأ ابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين ، والباقون بالكسر بدون تنوين . . .
وقوله { ولا تنهرهما } من النهر بمعنى الزجر ، يقال نهر فلان فلانا إذا زجره بغلظة .
والمعنى : كن - أيها المخاطب - محسنا إحسانا تاما بأبويك .
فإذا ما بلغ { عندك } أى : فى رعايتك وكفالتك { أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } سن الكبر والضعف { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } أى : قولا يدل على التضجر منهما والاستثقال لأى تصرف من تصرفاتهما .
قال البيضاوى : والنهى عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء قياسا بطريق الأولى ، وقيل عرفا كقولك : فلان لا يملك النقير والقطمير - فإن هذا القول يدل على أنه لايملك شيئا قليلا أو كثيرا .
وقوله { ولا تنهرهما } أى : ولا تزجرهما عما يتعاطيانه من الأفعال التى لا تعجبك .
فالمراد من النهى الأول : المنع من إظهار التضجر منهما مطلقا .
والمراد من النهى الثانى : المنع من إظهار المخالفة لهما على سبيل الرد والتكذيب والتغليظ فى القول .
والتعبير بقوله : { عندك } يشير إلى أن الوالدين قد صارا فى كنف الابن وتحت رعايته ، بعد أن بلغ أشده واستوى ، وبعد أن أصبح مسئولا عنهما ، بعد أن كانا هما مسئولين عنه .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى { عندك } قلت هو أن يكبرا ويعجزا ، وكانا كلاًّ على ولدهما لا كافل لهما غيره ، فهما عنده فى بيته وكنفه ، وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا ، وربما تولى منهما ما كانا يتوليانه منه فى حالة الطفولة ، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطاءة الخلق ، ولين الجانب ، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما ، أو يستثقل من مؤنهما : أف ، فضلا عما يزيد عليه .
والتقييد بحالة الكبر فى قوله - تعالى - : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر } جرى مجرى الغالب ، إذ أنهما يحتاجان إلى الرعاية فى حالة الكبر ، أكثر من احتياجهما إلى ذلك فى حالة قوتهما وشبابهما ، وإلا فالإِحسان إليهما ، والعناية بشأنهما . واجب على الأبناء سواء كان الآباء فى سن الكبر أم فى سن الشباب أم فى غيرهما .
وقوله - سبحانه - : { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } أمر بالكلام الطيب معهما . بعد النهى عن الكلام الذى يدل على الضجر والقلق من فعلهما .
أى : وقل لهما بدل التأفيف والزجر ، قولا كريما حسنا ، يقتضيه حسن الأدب معهما ، والاحترام لهما والعطف عليهما .
قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ( 23 ) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ( 24 ) } .
( وقضى ) بمعنى أوجب وألزم ، وذلك أمر من الله لعباده المؤمنين بألا يعبدوا سواه ، وأن يحسنوا بالوالدين إحسانا .
ووجوه الإحسان للوالدين كثيرة . فمنها : التقدير والتكريم والتعظيم وبالغ التواضع لهما ، والاحترام . وفي اقتران الأمر بالإحسان للوالدين بعبادة الله وحده تظهر الأهمية الكبرى لطاعة الوالدين في تصور الإسلام . لا جرم أن تكريمهما وطاعتهما في نظر الإسلام أمر بالغ الدرجة ، عظيم الأهمية بما ليس له في الشرائع والملل والأديان نظير . إنه ليس من ديانة ولا نظام ولا فلسفة ولا عقيدة كالإسلام في مبلغ التكريم المميز الذي قرره هذا الدين للوالدين ، والأم خصوصا . وعلى هذا فإن عقوق الوالدين أو أحدهما من أفظع المعاصي والكبائر التي تورد العاقين جهنم . وهذه حقيقة تكشف عنها الأخبار المروية عن رسول الله ( ص ) وتكشف عن مدى الاهتمام الأكبر الذي فرضه الإسلام لكلا الأبوين ؛ فقد روى البخاري عن عبد الله قال : سألت النبي ( ص ) : أي العمل أحب إلى الله عز وجل ؟ قال : " الصلاة على وقتها " قال : ثم أي ؟ قال : " بر الوالدين " قال : ثم أي ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " وبذلك فإن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم الأعمال في دين الإسلام .
وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) قال : " رغم أنف ، ثم رغم أنف ، ثم رغم أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة " .
وروى أحمد أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ ، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ فلم يغفر له ، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة " .
وروى أحمد كذلك عن مالك بن ربيعة الساعدي قال : فبينما أنا جالس عند رسول الله ( ص ) إذ جاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله هل بقي علي من برّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به ؟ قال : " نعم ؛ خصال أربع : الصلاة عليهما والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما ؛ فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما " .
وروى البزار في مسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها ، فسأله النبي ( ص ) هل أديتُ حقها ؟ قال : " لا ، ولا بزفرة واحدة " .
ومن البر بالوالدين وعدم عقوقهما ألا يكون الولد سببا يفضي إلى سبهما أو شتمهما . وذلك من جملة التفريط بهما والإساءة الكبيرة لهما ؛ فقد روى مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ( ص ) قال : " إن من الكبائر شتم الرجل والديه " قالوا : يا رسول الله ، وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : " نعم يسبُّ الرجل أبا الرجل ، فيسب أباه ، ويسبُ أمه فيسب أمه " .
ومن الإحسان إلى الوالدين والبر بهما : ألا ينبغي الجهاد في حق الولد إلا بإذن والديه ما لم يكن الجهاد فرض عين ، فإن كان وجوبه على التعيين لزم الخروج للجهاد جميع المسلمين . أما في الوجوب على الكفاية ؛ فإنه يلزم استئذان الوالدين للخروج ؛ فإن لم يأذنا لم يخرج الولد ؛ فطاعتهما واجبة على التعيين . وذلك في مقابلة الجهاد إن كان مفروضا على الكفاية ؛ فقد روي في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي ( ص ) يستأذنه في الجهاد فقال : " أحيِّ والداك ؟ " قال : نعم . قال : " ففيهما فجاهد " . وفي غير صحيح مسلم قال : نعم ، وتركتهما يبكيان . قال : " اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما " .
ومن عقوق الوالدين : مخالفتهما فيما يرغبانه ؛ فإن من البر موافقتهما في ذلك ما لم يكن معصية . أما ما كان غير معصية فطاعتهما فيه واجبة ، وإن كان المأمور به من المباح أو المندوب ؛ فقد روى الترمذي عن ابن عمر قال : كانت تحتي امرأة أحبها ، وكان أبي يكرهها ، فأمرني أن أطلقها فأبيت . فذكرت ذلك للنبي ( ص ) فقال : " يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك " حديث حسن صحيح .
وما ينبغي تخصيص البر بالوالدين بكونهما مسلمين ؛ بل إن كانا غير مسلمين فإنه يجب الإحسان إليهما وبرهما وطاعتهما في غير معصية الله . ودليل ذلك قوله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ) وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم ؛ إذ عاهدوا النبي ( ص ) مع أبيها فاستفتيت النبي ( ص ) فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ قال : " نعم صلي أمك " والمراد بقولها : وهي راغبة ؛ أي راغبة في برها وصلتها أو راغبة عن الإسلام{[2663]} .
على أن الظاهر من الأخبار عن رسول الله ( ص ) رجحان الاهتمام بالأم على الأب ؛ فقد أوصى النبي ( ص ) بالأم أعظم مما أوصى بالأب . وذلك لبالغ الجهد والعناء والنصب الذي يواجه الأم في تربية الأولاد . لا جرم أن عناءها لهو أشد من عناء الأب في ذلك ، ومن أجل ذلك أوصى النبي ( ص ) بالأمهات كثيرا .
وذلك هو شأن الإسلام مع المرأة الأم ؛ إذ جعل لها من هائل التكريم وكامل الطاعة والرعاية والبر ما يفوق كل تصورات البشر من مشرعين أو متفلسفين أو مصلحين على اختلاف مسمياتهم ؛ فقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي ( ص ) فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي{[2664]} ، قال : " أمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أمك " قال : ثمن من ؟ قال : " ثم أبوك " ويدل هذا الحديث على أن الشفقة على الأم والاهتمام بها ينبغي أن يكون ثلاثة أمثال الشفقة والاهتمام بالأب لذكر النبي ( ص ) الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط . وقد روي عن الإمام مالك أن رجلا قال له : إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه ، وأمي تمنعني من ذلك ، فقال له : أطع أباك ولا تعص أمك . وقد سئل الليث بن سعد عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم وزعم ان لها ثلثي البر . وحديث أبي هريرة يدل على أن للأم ثلاثة أرباع البر . وقيل : إنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع .
على أن الأجداد فيما سبق من تفصيل كالآباء . وكذلك الجدات فإنهن أمهات . فلا يغزوا الأولاد بإذنهم . وليس ذلك لأحد من الأقارب سوى الأصول وهم الآباء والأمهات وإن علوا{[2665]} .
قوله : ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) ( إما ) ، هي ، إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها . ولذا دخلت نون التوكيد في الفعل ، ولو أفردت إن الشرطية لم يصح دخولها ( أحدهما ) فاعل ( يبلغن ) . ( كلاهما ) ، معطوف على ( أحدهما ) .
وقد ذكر الكبر لما يصيب الآباء والأمهات في هذه السن من ضعف في الجسم وفي العقل بل في البنية الشخصية كلها . وفي هذه الحال من الضعف والهرم يكون المرء محتاجا لغيره كيما يعينه ويسعفه ويرأف به فيمد له يد المساعدة . ومن المعلوم بداهة أن الآباء والأمهات كانوا أحرص الخلق على ولدهم في صغره . فما كانت تقضهم أو تثنيهم أوساخه وأقذاره وعبثه عن الاهتمام به والحدب عليه ليظل نظيفا معافى سليما من الأدران أو العبث أو السفه . فإذا ما كبر الآباء والأمهات وانقلبت به الحال من القوة إلى هوان الجسد والأعصاب ؛ لزم الولد أن يبر بهما ، ويسعى جاهدا حريصا لخدمتهما والسهر عليهما ، ودفع الأذى والمكاره عنهما دون تخاذل في ذلك أو تثاقل أو استكبار . وأيما تخلف دون خدمتهما وطاعتهما ؛ فهو سقوط في العصيان الفظيع المفضي إلى جهنم .
قوله : ( فلا تقل لهما أف ) ( أف ) ، اسم من أسماء الأفعال ؛ فهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين{[2666]} .
والأف معناه الضجر . وقيل : معناه النتن ؛ أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تتغوط وتبول . والصواب النهي عن إسماع الوالدين أيما إساءة وإن تكن في بساطتها أن يقول الولد لهما أو لأحدهما ( أف ) وهذه أهون مراتب التضجر أو التبرم ؛ فإن ذلك حرام . وهذا يدل على تحريم سائر أنواع الإيذاء استنادا إلى القياس الجلي وهو إذا نصّ الشارع على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى ، وكان ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أظهر من ثبوته في محل الذكر ؛ فإن محل السكوت عندئذ أولى بالحكم كالضرب أو التعنيف والشتم أولى بالتحريم من التأفيف ؛ أي أن المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى{[2667]} .
قوله : ( ولا تنهرهما ) نهره وانتهره ، بمعنى زجره{[2668]} ؛ أي لا تزجرهما بما يسيء إليهما في تنغيص أو إغضاب أو تنفير ( وقل لهما قولا كريما ) وهو أن يكلمهما في لين وسهولة وأدب بما يشير إلى تعظيمهما واحترامهما ، وألا يخاطبهما بصوت مرتفع من غير حاجة .