{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( 40 ) } .
ثاني اثنين : أي : أحد اثنين ، هما الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر رضي الله عنه .
الغار : هو في اللغة : فجوة في الجبل تشبه البيت ، كالمغارة والكهف ، والمراد به هنا : غار جبل ثور الواقع على بعد ساعة سيرا من مكة ، وقد مكثا فيه ثلاثة أيام .
سكينته : طمأنينته التي تسكن عندها القلوب .
40 – { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ . . . . }الآية .
أي : إن تركتم نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فالله تعالى متكفل به ، فقد نصره في مواطن القلة ، وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر .
أو المعنى : فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين كفروا له ، وهو واحد من اثنين فحسب ، إذ كان معه أبو بكر رضي الله عنه فقد حفظهما الله تعالى وهما يسيران وحدهما نحو الغار للاختفاء فيه ، حتى ينقطع الطلب عنهما ، ثم حفظهما في الغار ثلاث ليال ، وأعمى عنهما عيون الأعداء ، حيث كان الكفار فوق الغار ؛ فقال أبو بكر : يا رسول الله : لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ، ما بالك باثنين الله ثالثهما { لا تحزن إن الله معنا } . أي : بالعون والحماية من المكاره ؛ فلن تصل إلينا أيديهم بسوء .
روى أحمد والشيخان عن أنس قال : " حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، فرأيت آثار المشركين ، فقلت : يا رسول الله ، لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه ؛ فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما ، وفي رواية أحمد : " لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه " 77 .
فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها .
أي : فأنزل الله طمأنينته وتأييده ونصره عليه أي : على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين وقيل : على أبي بكر حتى هدأ واطمأن .
أيد الله رسوله بجنود خفية لم تقع عليها أبصاركم ، فلم يستطع أعداؤه بسبب هذه الحراسة الربانية أن يصلوا إلى مأربهم ، وإن وصلوا إلى الغار الذي يؤويه وعادوا خائبين .
روى : أن قريشا أتت بقائف معروف بقفاء الأثر ، حتى وقف على الغار ، فقال : هنا انقطع الأثر فنظروا فإذا العنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته78 .
رغبت قريش في قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فبيتوه ورصدوه ، واجتمعوا على باب منزله طوال ليلتهم ؛ ليقتلوه إذا خرج ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ، وفي هذه مخاطرة من علي بحياته ؛ لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم . ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمى الله عليهم أثره ؛ فطمس الله على أبصارهم ؛ فخرج وقد غشيهم النوم .
فلما أصبحوا خرج عليهم علي وأخبرهم : أن ليس في الدار أحد ؛ فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر ، ثم خرجا من خوخة( ثغرة ) في ظهر دار أبي بكر ؛ ونهضا نحو الغار في جبل ثور .
واتفقا مع عبد الله بن أريقط ، أن يأتي إليهما بعد ثلاث ليال إلى الغار ، وكان عارفا بالطريق ، فاستأجراه ؛ ليدل بهما إلى المدينة ، وكان كافرا على دين قومه ، لكنهما وثقا به ودفعا إليه راحلتين ؛ ليأتي بهما إلى الغار .
وكان عبد الله بن أبي بكر يستمع ما يقول الناس ، وينقله إليهما ، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام ، وكان عامر بن فهيرة يرعى غنمه إلى الغار ، فيخفى آثار عبد الله وأسماء .
عناية الله إن تولت ضعيفا *** تعبت مراسه الأقوياء
{ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } .
أي : قضى الله على دولة المشركين ، وجعل كلمتهم وضيعة مقهورة .
{ وكلمة الله هي العليا } . أي : كلمة التوحيد ، ودعوة الإسلام ، ودعوة الإسلام ؛ صفتها الدائمة أنها فوق كل كلمة ، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه .
وقد مكن الله رسوله من الهجرة إلى المدينة ، وحفظه في الغار ، ويسر الله له طرق الجهاد حتى فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا .
{ والله عزيز حكيم } . أي : هو سبحانه غالب قاهر ، لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب .
1 – فضل أبي بكر الصديق ؛ فهو صاحب الرسول وعونه ورفيقه في الغار ؛ في وقت تكالب عليه الأعداء .
2 – جواز الاستعانة بالمشركين ؛ كما استعان النبي بعبد الله بن أريقط ، وائتمنه على سره وعلى الراحلتين .
قال المهلب : وفي هذا من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال ؛ إذا علم منهم وفاء ومروءة ، كما ائتمن النبي هذا المشرك على سره في الخروج من مكة وعلى الناقتين .
وقال ابن المنذر : فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق .
3 – عناية الله لرسوله وحفظه وحراسته وهو أمام عدو قوي عنيد .
4 – من وجد الله ؛ وجد كل شيء ومن فقد الله ؛ فقد كل شيء79 .
5 – ساق الإمام فخر الدين الرازي ، والشيخ رشيد رضا في تفسير المنار اثني عشر وجها في فضل أبي بكر الصديق ، فهو أول من أسلم من الرجال ، وهو وزير النبي وصاحبه في الغار ، وخليفته على الصلاة ، وقائد المسلمين في حروب الردة ، والمنفق ماله في سبيل الله ، وورد فضله في الأحاديث الصحيحة .
{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 40 ) }
يا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لا تنفروا معه أيها المؤمنون إذا استَنْفَركم ، وإن لا تنصروه ؛ فقد أيده الله ونصره يوم أخرجه الكفار من قريش من بلده ( مكة ) ، وهو ثاني اثنين ( هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ) وألجؤوهما إلى نقب عظيم في الجبل ، إذ يقول لصاحبه ( أبي بكر ) لما رأى منه الخوف عليه : لا تحزن إن الله معنا بنصره وتأييده ، فأنزل الله الطمأنينة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعانه بجنود لم يرها أحد من البشر وهم الملائكة ، فأنجاه الله من عدوه وأذل الله أعداءه ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى . وكلمةُ الله هي العليا ، ، وذلك بإعلاء شأن الإسلام . والله عزيز في ملكه ، حكيم في تدبير شؤون عباده . وفي هذه الآية منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه .
ثم ذكرهم ، سبحانه ، بما يعرفونه من حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث نصره الله . تعالى ، على أعدائه بدون عون منهم ، وأيده بجنود لم يروها فقال ، { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله } .
قال ابن جرير . هذا إعلام من الله لأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه ، وإظهاره عليهم دونهم ، أعانوه أو لم يعينوه ، وتذكير منه لهم بأنه فعل ذلك به ، وهو من العدد في قلة ، والعدو في كثرة فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة .
والمعنى : إنكم ، أيها المؤمنون ، إن آثرتم القعود والراحة على الجهاد وشدائده ، ولم تنصروا رسولكم الذي استنفركم للخروج معه . فاعلموا أن الله سينصره بقدرته النافذة ، كما نصره ، وأنتم تعلمون ذلك ، وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة { ثَانِيَ اثنين } أى : أحد اثنين . والثانى : أبو بكر الصديق ، رضى الله عنه .
يقال . فلان ثالث ثلاثة ، أو رابع أربعة . . أى : هو من الثلاثة أو من الأربعة .
فإن قيل : فلان رابع ثلاث أو خامس أربعة ، فمعناه أنه صير الثلاثة أربعة بإضافة ذاته اليهم ، أو صير الأربعة خمسة .
وأسند سبحانه الإِخراج إلى المشركين مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد خرج بنفسه بإذن من الله ، تعالى ، لأنهم السبب في هذا الخروج حيث اضطروه إلى ذلك ، بعد أن تآمروا على قتله .
قيل : وجواب الشرط في قوله ، { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } محذوف وقوله { فَقَدْ نَصَرَهُ الله } تعليل لهذا لمحذوف .
والتقدير : إلا تنصروه ينصره الله في كل حال . { فَقَدْ نَصَرَهُ } سبحانه وقت أن أخرجه الكافرون من بدله ولم يكن معه سوى رجل واحد .
وقال صاحب الكشاف : فإن قلت . كيف يكون قوله { فَقَدْ نَصَرَهُ الله } جواباً للشرط ؟ .
قلت " فيه وجهان " أحدهما : إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد . ولا أقل من الواحد ، فدل بقوله . { فَقَدْ نَصَرَهُ الله } على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت .
والثانى . أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً في ذلك الوقت ، فلن يخذل من بعده .
وقوله : { ثَانِيَ اثنين } حال من الهاء في قوله { أَخْرَجَهُ } أى اخرجه الذين كفروا حال كونه منفرداً عن جميع الناس إلا أبا بكر الصديق - رضى الله عنه .
وقوله : { إِذْ هُمَا فِي الغار } بدل من قوله { إِذْ أَخْرَجَهُ } .
والغار : النقب العظيم يكون في الجبل . والمراد به هنا : غار جبل ثور . وهو جبل في الجهة الجنوبية لمكة ، وقد مكثا فيه ثلاثة أيام .
وقوله : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } بدل ثان من قوله { إِذْ أَخْرَجَهُ } .
أى : لا تنصروه فقد نصره الله وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة ، ووقت أن كان هو وصاحبه أبو بكر في الغار ، ووقت أن كان - صلى الله عليه وسلم - يقول لصاحبه الصديق :
" لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره وحمايته " .
وذلك أن أبا بكر وهو مع النبى - صلى الله عليه وسلم - في الغار ، أحسن بحركة المشركين من فوق الغار ، فخاف خوفا شديداً لا على حياته هو ، وإنما على حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - منه ذلك ، أخذ في تسكين روعة وجزعه وجعل يقول له : لا تحزن إن الله معنا .
أخرج الشيخان " عن أبى بكر قال . نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار ، وهم على رءوسنا ، فقلت . يا رسول الله ، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قديمه ، فقال : " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، لا تحزن إن الله معنا " " .
وقوله : { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } بيان لما أحاط الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - من مظاهر الحفظ والرعاية .
والسكينة : من السكون ، وهو ثبوت الشئ ؛ بعد التحرك . أو من السكن - بالتحريك - وهو كل ما سكنت إليه نفسك ، واطمأنت به من أهل وغيرهم .
والمراد بها هنا : الطمأنينة التي استقرت في قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - فجعلته لا يبالى بجموع المشركين المحيطين بالغار ، لأنه واثق بأنهم لن يصلوا إليه .
والمراد بالجنود المؤيدين له . الملائكة الذين أرسلهم - سبحانه - لهذا الغرض : والضمير في قوله : { عَلَيْهِ } يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم .
أى . فأنزل الله سكينته وطمأنينته وأمنه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأيده وقواه بجنود من الملائكة لم تروها أنتم ، كان من وظيفتهم حراسته وصرف أبصار المشركين عنه .
ويرى بعضهم أن الضمير في قوله { عَلَيْهِ } يعود إلى ابى بكر الصديق ، لأن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور ، وأقرب مذكور هنا هو الصاحب ولأن الرسول لم يكن في حاجة إلى السكينة . وإنما الذي كان في حاجة إليها هو أبو بكر ، بسبب ما اعتراه من فزع وخوف .
وقد رد أصحاب الرأى الأول على ذلك بأن قوله { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } الضمير فيه لا يصح إلا للنبى - صلى الله عليه وسلم - وهو معطوف على ما قبله فوجب أن يكون الضمير في قوله { عَلَيْهِ } عائداً إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يحصل تفكك في الكلام .
أما نزول السكينة فلا يلزم منه أن يكون لدفع الفزع والخوف ، بل يصح أن يكون لزيادة الاطمئنان ، وللدلالة على علو شأنه - صلى الله عليه وسلم .
قال ابن كثير قوله { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } أى . تأييده ونصره عليه أى .
على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أشهر القولين . وقيل . على أبى بكر .
قالوا : لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم تزل معه سكينة . وهذا لا ينافى تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ، ولهذا قال : { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } أى : الملائكة .
وقوله : { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا } بيان لما ترتب على إنزال السكينة والتأييد بالملائكة .
والمراد بكلمة الذين كفروا . كملة الشرك ، أو كلمتهم التي اجتمعوا عليها في دار الندوة وهى اتفاقهم على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
والمراد بكلمة الله : دينه الذي ارتضاه لعباده ، وهو دين الإِسلام ، وما يترتب على اتباع هذا لدين من نصر وحسن عاقبة ، أى : كانت نتيجة إنزال السكينة والتأييد بالملائكة ، أن جعل كلمة الشرك هي السفلى ، أى . المقهورة الذليلة . وكلمة الحق والتوحيد المتمثلة في دين الإِسلام هي العليا أى : هي الثابتة الغالبة النافذة .
وقراءة الجمهور برفع . { كَلِمَةَ } على الابتداء . وقوله { هِيَ } مبتدأ ثان : وقوله : { العليا } خبرها ، والجملة خبر المبتدأ الأول .
ويجوز أن يكون الضمير { هِيَ } ضمير فصل ، وقوله { العليا } هو الخبر وقرأ الأعمش ويعقوب { وَكَلِمَةُ الله } بالنصر عطفاً على مفعول جعل وهو { كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ } .
أى : وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وجعل كلمة الله هي العليا .
قالوا : وقراءة الرفع أبلغ وأوجه ، لأن الجملة الأسمية تدل . على الدوام والثبوت ، ولأن الجعل لم يتطرق إلى الجملة الثانية وهى قوله : { وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا } لأنها في ذاتها عالية ثابتة ، بدون جعلها كذلك في حالة معينة . بخلاف علو غيرها فهو ذاتى ، وإنما هو علو مؤقت في حال معينة ، ثم مصيرها إلى الزوال والخذلان بعد ذلك .
وقوله : { والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله .
أى : والله - تعالى - { عَزِيزٌ } لا يغلبه غالب ، ولا يقهر قاهر ، ولا ينصر من عاقبه ناصر ، { وَحَكِيمٌ } في تصريفه شأن خلقه ، لا قصور في تدبيره ، ولا نقص في أفعاله .
هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية : الدلالة على فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - وعلى علو منزلته ، وقوة إيمانه ، وشدة إخلاصه لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - .
ومما يشهد لذلك ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما أذن الله له بالهجرة ، لم يخبر أحدا غيره لصحبته في طريق هجرته إلى المدينة .
ولقد أظهر الصديق - رضى الله عنه - خلال مصاحبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثير من ألوان الوفاء والإِخلاص وصدق العقيدة .
قال الآلوسى ما ملخصه : واستدل بالآية على فضل أبى بكر . . فإنها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا كبر . . فعن الحسن قال : عاتب الله جميع أهل الأرض غير أبى بكر فقال : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله } الآية .
ولأن فيها النص على صحبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت ذلك لأحد من الصحابة : لأنه هو المراد بالصاحب في قوله { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } وهذا مما وقع عليه الإِجماع .
ومن هنا قالوا : من أنكر صحبة أبى بكر فقد كفر ، لإِنكار كلام الله ، وليس ذلك لسائر الصحابة .
وقد ساق الإِمام الرازى ، والشيخ رشيد رضا ، عند تفسيرهما لهذه الآية اثنى عشر وجهاً في فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - ، فارجع إليهما إن شئت .
قوله تعالى : { إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } { إذ أخرجه } ، في محل نصب ظرف زمان . و { ثاني اثنين } . أي أحد اثنين ، منصوب على الحال ، { إذ هما في الغار } ، بدل من : { إذ أخرجه } . { إذ يقول } ، بدل ثان{[1785]} .
والمعنى : إن لم تنصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركتم بذل العون له والتأييد ؛ فإن الله جل وعلا يتكفل بذلك ؛ فقد نصره الله في مواطن الشدة والخطر ، وهو سبحانه ينصره في كل المواطن إن شاء مثلما نصره وثبته في أشد الأحوال من الخوف البالغ والخطر المحدق { إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين } يعني أحد اثنين . وكان صاحبه في الهجرة المباركة المشهودة صديقه المخلص الودود أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) فقد خرجا كلاهما بدينهما إلى المدينة ، ثم لجئا في الطريق إلى غار ثور ثلاثة أيام ، حتى إذا جاء المشركون في اغترار بالغ وسفاهة عاتية حمقاء ، أحاطوا بالغار ليجدوا من فيه ، أو يفضوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوقعوا به ما ائتمروا به وهو القتل . والرسول صلى الله عليه وسلم مع ذلك مطمئن ثابت ؛ بل هو أقوى في شموخه وثباته من الرواسي الشم ، فما تزعزع فيه مثقال ذرة من مشاعره وأعصابه ، ولا اضطراب من بدنه أو كيانه مثقال قطمير ، ولا ازدادت في صدره خفقات قلبه الكبير ولو بقدر خفقة واحدة أو نصيفها ، وحسبه هذا الحدث الهائل وحده شاهدا على صدق نبوته وحقيقة رسالته للعالمين كافة .
قوله : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } أي بالنصر والتأييد والكلاءة وإنما كان حزن أبي بكر ؛ إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخشية أن يناله من أذى المشركين شيء ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك معصوما بالصون والحفظ المحتومين ؛ فقد نزل عليه في المدينة قول الله تعالى : { والله يعصمك من الناس } .
وروي الإمام أحمد عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهما نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه . فقال ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ) .
والله جل وعلا خالق كل شيء وبارئ المؤمنين والمجرمين قادر أن يرد كيد المجرمين في نحورهم ، وأن ينشر الأمن والسكينة في قلب نبيه المعظم صلى الله عليه وسلم ، فيشد من عزيمته البالغة التي لا تأتي عليها الأهوال والمحن ، ولا يفلها مكر الشياطين من البشر الجاحد المتربص . وهذا مقتضى قوله سبحانه : { فأنزل الله السكينة } أي أنزل تأييده ونصره وتثبيته على الرسول صلى الله عليه وسلم { وأيده بجنوده لم تروها } أي أيده بنزول الملائكة الأطهار مؤيدين له ومعززين .
قوله : { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا } كلمة الله مرفوعة على الابتداء . و { هي العليا } ، خبر المبتدأ{[1786]} .
أما { كلمة الذين كفروا } فهي جامعة لمعاني الشرك والظلم والباطل والضلال ؛ فقد جعلت هذه { السفلى } وذلك بالتبديد والمحق والقهر ؛ فكل مقهور ومغلوب لهم أسفل من الغالب ، والغالب لهو الأعلى .
أما { كلمة الله } فهي الحق بكل ما تشتمل عليه هذه الكلمة من معاني الخير والبركة والعدل والفضل . لا جرم أن يأتي في قمة ذلك كله شهادة أن لا إله إلا الله ؛ فهي الشهادة العظمى التي تأتي في الذروة السامقة من مراتب الحق والخير في هذا الوجود كله . وقد جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ( رضي الله عنه ) قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهي في سبيل الله ) .
إن كلمة الله بالشهادة العظمى ومنهج الله الحكيم القويم وما حواه ذلك من معاني راسخة في الخير والجلال والفضيلة ؛ لهم الحق الأبلج الثابت الذي يصلح عليه الناس وتستقيم على أساسه الدنيا . لكن كلمة الكافرين تضم الشر والشقاء والباطل ، وذلك كله في الأسفلين والأذلين حيث يصير إليه الكافرون بما استفرخ في أذهانهم وصدورهم من عقائد الضلال والكفر .
على أنه يستفاد من حدث الهجرة جواز الفرار بالدين خوفا من العدو ، وكذلك الاستخفاء منهم مخافة كيدهم وإيذائهم ، ومخافة أن يذهب الدين نفسه بذهاب دعاته وحملته . وما ينبغي الاحتجاج بما يقوله بعض الجاهلين ، وهو أن من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصا في توكله وتقواه ولم يؤمن بالقدر ، ومثل هذا القول مجانب للصواب ، ومخالف لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ فقد دلت سنته العملية على فراره بدينه في حدث الهجرة ليكون ذلك مثالا يحتذى لدى المسلمين طيلة الزمان كلما حزب أحدهما أو بعضهم من الكافرين والخائنين كيد أو مكر فيفر بدينه . لا جرم أن ذلك أسلم للنفس أن يستحوذ عليها الكافرين بالفتنة أو القتل ، فضلا عما في ذلك من مراعاة حقيقة لفطرة الإنسان التي تهتف بالخوف من الموت . وهذه حقيقة أساسية من حقائق كثيرة جبل عليها الإنسان . وخلاف ذلك من القول المغاير ليس إلا التكليف أو الجهل بطبيعة الإنسان وحقيقة فطرته التي جيىء به عليها { لا تبديل لخلق الله } .
أما رسولنا الهادي صلى الله عليه وسلم فما كان يخشى الكافرين على نفسه بقدر خشيته على الدين أن يفنى بهلاكه ، ويكون في هجرته مناص للمكروبين من دعاة الحق والدين أن يفروا بأنفسهم إذا أحاطت بهم أسباب المنون بفعل الظالمين والخائنين .
قوله : والله عزيز حكيم } إنه لا يعز على الله أن يزلزل الطغاة والمستبدين والظالمين ، وأن يقهرهم ويذيقهم الإذلال ومرارة التعس والشقاء ، وهو أيضا قادر على نصر عباده المؤمنين المخبتين الصابرين ، وهو يقضى في ذلك كله حسب مشيئته وتقديره وتقديره . وهو سبحانه حكيم في تدبيره وتصريفه لأمور العباد{[1787]} .