وما قدروا الله حق قدره : وما عظموه حق تعظيمه .
قراطيس : جمع قرطاس وهو الورق ويقال له قرطاس وقرطاس أيضا .
91- وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . . . الآية .
والمعنى : ما عظموا الله حق تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته في اللطف بعاده وفي الرحمة بهم ، بل أخلوا بحقوقه إخلالا عظيما ، إذ أنكروا بعثة الرسل ، وإنزال الكتب ، وقالوا تلك المقالة الشنعاء ، ما أنزل الله على بشر شيئا من الأشياء ، قاصدين بهذا القول : الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي أن القرآن من عند الله .
قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس . أي قل لهم يا محمد ردا عليهم من الذي أنزل التوراة على موسى .
نورا . أي أنزلنا التوراة واضحة في نفسها تضيء للناس طريق العلم .
وهدى للناس . والتوراة مرشدة للناس إلى الطريق المستقيم وهي هداية تعصمهم من الأباطيل والضلالة .
تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفونها كثيرا . أي تجعلون هذا الكتاب الذي أنزله الله نورا وهداية للناس أوراقا مكتوبة مفرقة ، لتتمكنوا من إظهار ما تريدون منها ، ومن إخفاء الكثير منها على حسب ما تمليه عليكم مصالحكم ، وشهواتكم .
والمراد من هذه الجملة ذم المحرفين لكتب الله وتوبيخهم على هذا الفعل الشنيع .
وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباءكم .
قال الشوكاني : والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور التي أوحى الله إليه بها ، فإنها اشتملت على ما يعلموه من كتبهم ، ولا على لسان أنبياءهم ، ولا علمه آباءهم .
ثم ذرهم في خوضهم يلعبون . في باطلهم يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون .
وفي أمره – صلى الله عليه وآله وسلم – بأن يجيب عنهم ، إشعار بأن الجواب متعين لا يمكن غيره ، وتنبيه على أنهم بهتوا بحيث أنهم لا يقدرون على الجواب .
ملحق في مكية الآية أو مدنيتها :
1- الأول أن الآية مكية فسورة الأنعام كلها مكية ، والسياق كله حديث عن المشركين الذين قالوا :
وإنما ألزمهم الله بإنزال التوراة لأنهم كانوا يعرفون ذلك ولا ينكرون أن الله قد أنزل التوراة على موسى .
وقد اختار هذا الرأي ابن جرير الطبري وابن كثير .
2- الرأي الثاني أنه هذه الآية مدنية ، وكون سورة الأنعام مكية لا يمنع من وجود بعض آيات مدنية منها كما نص عليه كثير من العلماء .
جاء في لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ما يأتي :
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلا قال :
جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين – وكان حبرا سمينا – فغضب وقال : هل أنزل الله على بشر من شيء ؟ فقال له أصحابه : ويحك ولا على موسى ، فأنزل الله : وما قدروا الله حق قدره . ( 114 ) .
والمتأمل في سياق الآية يجد أن الخطاب كان موجها إلى أهل مكة ، وتفيدنا كتب علوم القرآن أن المشركين كانوا يلجئون إلى اليهود يسألونهم عن محمد ودينه وربما وجه اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسئلة عل لسان المشركين فقد قال اليهود للمشركين ، اسألوه عن الروح وعن ذي القرنين وعن أهل الكهف .
إذا علمنا هذا ترجح لدينا أن الآية مكية وقد التفت الخطاب فيها لليهود باعتبارهم عنصر الشغب الذي يقف وراء مشركي مكة .
( وتوجيه الخطاب إلى اليهود لا يتنافى مع كون الآية مكية ، لأنه ليس بلازم أن يكون كل قرآن مكي خطابا لغير اليهود ) ( 115 ) .
ما قدروا الله حق قدره : ما عرفوه حق معرفته ، والقدر والمقدار : القوة أيضا . والقدر الغِنَى والشرف .
قراطيس : واحدها قرطاس ، وهو ما يُكتب فيه من ورق أو جلد أو غيرها .
خوضهم : كلامهم بالباطل ، وتصرّفهم الشائن .
بعد أن ذكر الله ما تفضل به على إبراهيم والأنبياء الذين ذكرهم ، وأنه اجتباهم وهداهم إلى الصراط المستقيم ، وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يهتدي بهُداهم ، جاء في هذه الآيات يندّد بمنكِري الرسالات ، ويصفهم بأنهم لا يقدّرون الله كما يجب ، ولا يعرفون حكمته ورحمته وعدله . ومن ثم يقرّر أن الرسالة الأخيرة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم تجري على سنّة الرسالات قبلها ، فالقرآن الكريم مصدّق لما سبقه من الكتب ، وكلُّ من عند الله .
ما قَدّر هؤلاء الكفار الله حق التقدير ، إذ أنكروا أن تنزل رسالتُه على أحد من البشر . فقل أيها النبي للمشركين ومن يشايعهم على ذلك من اليهود : إذنْ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ، نوراً يضيء ، وهدى يرشد ؟ إنكم أيها اليهود ، تجعلون كتابه في أجزاء متفرقة . . . تُظهرون منها ما يتفق وأهواءكم ، وتُخفون ما يٌلجئكم إلى الإيمان بالقرآن والنبي . هكذا مع أنكم علمتم منه ما لم تكونوا تعلمون ، لا أنتم ولا آباؤكم .
وبعد أن بيّن سبحانه إنكار المنكرين للوحي بعبارة تدل على جهلهم ، قال لرسوله : تولَّ إذن أيها النبي الجوابَ وقل لهم : إن الله هو الذي أنزل التوراة ، ثمّ دعْهم بعد هذا فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم .
ومن المؤسف أن هذا القول الذي قاله مشركو مكة في جاهليتهم إنما يقوله أَمثالهم في كل زمان . بل منهم من يقولونه الآن ، ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر ، قد تطوّرت وترقت بتطور البشر في أحوالهم . وكثير من هؤلاء المثقفين على أيدي الأجانب ، وكثير منهم يحتلّ مراكز كبيرة في الدول العربية والإسلامية غرّتهم الحياة الدنيا ، وغرهم الغرور .
قرأ أبو عمرو وابن كثير : «يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون » بالياء ، والباقون «بالتاء » .
قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( 91 ) وهذا كتب أنزلناه مبرك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحفظون } قال ابن عباس : قالت اليهود : يا محمد أنزل الله عليك كتابا ؟ قال : " نعم " قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا فنزلت الآية . وقيل : نزلت في مشركي قريش{[1214]} .
قوله : { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه . أو ما عرفوه حق معرفته .
قوله : { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } هذا إنكار من هؤلاء الكافرين لبعثة الرسل وإنزال الكتب السماوية . وذلكم الكفر الصارخ والجحود الظالم الفاجر . والجمهور من أهل العلم على أن المقصود هنا اليهود . وهم يبتغون بذلك الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتشكيك في رسالة الإسلام .
قوله : { قل من أنزل الكتب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } نورا منصوب على الحال . وهدى معطوف عليه ، أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين الذين ينكرون إرسال الرسالات البتة : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى { نورا } أي ضياء يبدد ظلمه الباطل ويبين للناس وجه الحق من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم . ذلك أن الله أنزل التوراة على موسى ولا سبيل لجاحد معاند أن ينكر ذلك . فلم لا يصدقون إنزال القرآن على رسول الله محمد مثلما أقروا موقنين بنزول التوراة على موسى . لكنه الحسد والحماقة ومرض القلب والعقل ، كل أولئك يحول بين هؤلاء السفهاء الأشرار وبين التصديق بالقرآن الحكيم ونبيه المصطفى العظيم .
قوله : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } قراطيس منصوب بالفعل تجعلونه{[1215]} والجملة استئنافية لا محل لها من الإعراب وقد سيقت لنعي ما فعلته يهود من تحريف التوراة وتغييرها . وقيل : في موضع نصب على الحال . أي تضعونه في قراطيس مقطعة وأوراق مفرقة مبعثرة . وذلك توبيخ لهم على سوء صنيعهم ، إذ أخرجوا التوراة من جنس الكتاب لينزلوه منزلة القراطيس المفرقة .
على أن التوبيخ هنا ليس لمجرد وضعهم التوراة في قراطيس ، فكل كتاب موجود في القراطيس بل التوبيخ من أجل جعلهم التوراة في القراطيس موصوفة بقوله تعالى : { تبدونها وتخفون كثيرا } أي تظهرون كثيرا مما تكتبونه في القراطيس للناس وتخفون كثيرا مما تثبتونه فيها فتسرونه وتكتمونه عن الناس . ومن جملة ما كتموه عن الناس خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ونبوته . والمراد بهم هنا اليهود لا محالة فقد أظهروا من التوراة ما أظهروه ، وأخفوا كثيرا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم . وبذلك فإن موضع الذم هنا أنهم لما جعلوا التوراة قراطيس فرقوه تفريقا وبعضوه تبعيضا فقدروا بذلك على إظهار بعضه وإخفاء بعضه الآخر الذي فيه صفة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
قوله : { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم } الخطاب لليهود ، إذ من الله عليهم . أي أنكم علمتم ما لم تكونوا تعلمونه من قبل لا أنتم ولا آباؤكم . والذي علموه هو الذي أخبرهم به محمد صلى الله عليه وسلم مما أوحى الله إليه به . فقد اشتمل ذلك على ما لم يعلموه من كتبهم ولا على لسان أنبيائهم ولا علمه آباؤهم من قبل .
وقيل : المراد التوراة . كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم . وقد كان اليهود قبل مقدم الرسول يقرأون تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم . وذلك هو تعلمهم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم .
قوله : { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } هذا جواب السؤال للمشركين لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بسؤالهم { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } والجواب هو قوله : { قل الله } أي الله تعالى أنزله . ولفظ الجلالة مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره الله تعالى أنزله . أو لفظ الجلاله فاعل وفعله مقدر .
قوله : { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } أي دعهم في باطلهم وكفرهم بآيات الله يستهزئون ويسخرون ويلعبون . ولا جرم أن ذلك من الله وعيد مخوف يتهدد به هؤلاء الفاسقين الغلاظ . فهو سبحانه لهم بالمرصاد وهو آخذهم أخذ عزيز مقتدر .