تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62)

59

المفردات :

المضطر : ذو الحاجة المجهود ، أو الذي أصابه الضرّ .

يكشف السوء : يرفع عنه الظلم والضرّ .

خلفاء الأرض : الذين يرثون سكناها والتصرف فيها .

62- { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون }

من الذي يجيب المضطر الذي أحزبه أمر أو أحزنه مكروه ، أو اشتدت به الكرب ، أو كثرت به الظلم ، أو اعتدى عليه معتد ، أو ظلمه ظالم ، أو كثرت به الكوارث ، واكفهرت في وجهه الحياة ، من يجيب هذا البائس المشفق المكروه ، سوى الله الذي تكفل بإجابة دعوة المضطر سواء أكان مسلما أم كافرا ، مؤمنا أم مشركا ، حتى إذا عاد المشرك إلى شركه أمهله ولم يعاجله بالعقوبة ، قال تعالى : { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين*فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون } [ يونس : 22 ، 23 ] .

وقد فتح الله بابه للقاصدين وقال سبحانه : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }[ البقرة : 186 ] وقال سبحانه : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم . . } [ غافر : 60 } والالتجاء إلى الله فطرة في النفس خصوصا في الشدائد والمحن ، قال تعالى : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض . { فصلت : 51 ] .

وذكر ابن كثير في تفسيره : أن بعض الصالحين وقع في محنة ، وتعرض للقتل ظلما ، فاستأذن في صلاة ركعتين ، وقرأ الفاتحة وارتج عليه فلم يجد ما يقرؤه من القرآن ، فقال له الظالم : عجّل بالصلاة ، فألهمه الله : { أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون } وما إن أتم الصلاة حتى أقبل فارس بحربة توجه بها إلى فؤاد الظالم ؛ فأصابته وأردته قتيلا ؛ فوقف الرجل الصالح ، وقال للفارس : أسألك بالله ، من أنت ؟ فقال الفارس : أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه ، وكان الظالم قد استولى على فرس الرجل الصالح وأمتعته ؛ فأخذ الرجل الصالح فرسه ومتاعه وعاد إلى أهله سليما معافى .

{ ويكشف السوء . . . }

أي : ويكشف الفقر أو المرض أو المحنة التي أحوجت المضطر إلى التضرع إلى الله تعالى ، فإن الله يرفع عنه ما نزل به من فقر أو مرض أو خوف أو غيره .

{ ويجعلكم خلفاء الأرض . . }

ورثة من قبلكم من الأمم في سكنى الأرض والديار ، ومن حكمة الله أن خلق الموت والحياة فإذا مات جيل حلّ مكانه جيل آخر ، ولو استمر توالد الناس بدون موت كبار السنّ ، أو موت أصحاب الحوادث والزلازل والبراكين وغير ذلك ؛ لضاقت الأرض بالناس ، واشتد الصراع ؛ لذلك دبر الله الحياة قرنا بعد قرن ، بالتوارث والخلافة ، حتى يخلف اللاحق السابق ، قال تعالى : { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات . . } [ الأنعام : 165 ] .

{ أإله مع الله قليل ما تذكرون } أيقدر على كل ما سبق إله غير الله المتفرد بهذه الأفعال ، لكنكم تذكرون الله كثيرا في الشدائد والمحن ، ولا تذكرونه إلا قليلا في الرخاء والنعم ، فما أقل تذكركم نعم الله عليكم .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62)

واسألهم أيها الرسول : من يجيب المضطرَّ إذا دعاه ويكشف عنه السوء ، ويجعلكم خلفاء في الأرض تتصرفون فيها ، هل هناك إله مع الله ؟ { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } .

قراءات :

قرأ الجمهور : { قليلاً ماتذكرون } لتاء ، وقرأ ابن عمرو وهشام وروح : { قليلا ما يذكرون } بالياء .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62)

ولما دلهم بآيات الآفاق ، وكانت كلها من أحوال السراء ، وكانت بمعرض الغفلة عن الإله ، ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة بمجردها على الإله ، ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه ، وإخلاص النية لديه ، والإقبال عليه ، على ذلك ركزت الطباع ، وانعقد الإجماع ، فلم يقع فيه نزاع ، فقال : { أمن يجيب المضطر } أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له به ، الصادق على القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون ، وعبر فيه وفيما بعده بالمضارع لأنه مما يتجدد ، بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما بعده { إذا دعاه } أي حين ينسيكم الضر شركاءكم ، ويلجئكم إلى من خلقكم ويذهل المعطل عن مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيمُ إقباله على قضاء أربه .

ولما كانت الإجابة ذات شقين ، جلب السرور ، ودفع الشرور ، وكان النظر إلى الثاني أشد ، خصه بادئاً به فقال : { ويكشف السوء } ثم أتبعه الأول على وجه أعم ، فقال مشيراً إلى عظيم المنة عليهم بجعلهم مسلطين عالين على جميع من في الأرض وما في الأرض مشرفين بخلافته سبحانه ، ولذلك أقبل عليهم ، { ويجعلكم خلفاء الأرض } أي فيما يخلف بعضكم بعضاً ، لا يزال يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة . ولما كان هذا أبين ، كرر الإنكار فيه مبكتاً لهم بالنسيان فقال : { أإله } أي كائن أو موجود { مع الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له . ثم استأنف التبكيت تفظيعاً له ومواجهاً به في قراءة الجماعة لما يؤذن به كشف هذه الأزمات من القرب المقتضي للخطاب ، ولذلك أكد بزيادة " ما " فقال : { قليلاً ما تذكرون* } أي بأن من أنجاكم من ذلك وحده حين أخلصتم له التوجه عند اشتداد الأمر هو المالك لجميع أموركم في الرخاء كما كان مالكاً له في الشدة ، وأن الأصنام لا تملك شيئاً بشفاعة ولا غيرها كما لم تملك شيئاً في اعتقادكم عند الأزمات ، واشتداد الكربات ، في الأمور المهمات ، فإن هذا قياس ظاهر ، ودليل باهر ، ولكن من طبع الإنسان نسيان ما كان فيه من الضير ، عند مجيء الخير ، ومن قرأ بالتحتانية وهم أبو عمرو وهشام وروح ، فللإيذان بالغضب الأليق بالكفران ، مع عظيم الإحسان .