في منتصف سورة البقرة نجد آية جامعة لخصال البر والخير هي قوله تعالى :
{ ليس البر أن تولوا وجوهكم فبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون( 177 ) }
البر : كل ما يتقرب به العبد إلى الله من الأيمان والعمل الصالح وكل طاعة وقربة .
قبل المشرق والمغرب : ناحيتهما .
المسكين : هو الدائم السكون لأن الحاجة أسكنته ، والعجز قد أقعده عن طلب ما يكفيه .
ابن السبيل : هو المسافر البعيد عن ماله ولا يمكنه الاتصال بأهل أو بذي قرابة .
السائلين : من ألجأتهم الحاجة إلى السؤال وتكفف الناس ، والسؤال محرم شرعا إلا لضرورة ويجب على السائل ألا يتعداها .
وفي الرقاب : أي وفي تحرير الرقاب وعتقها .
وأقام الصلاة : أداها على أقوم وجه وأحسنه .
البأساء : من البؤس وهو الفقر والشدة ،
الضراء : كل ما يضر الإنسان من مرض أو فقد حبيب من أهل المال .
تتعلق هذه الآية بتحويل القبلة . وذلك أن المسلمين في مكة كانوا يتوجهون إلى الكعبة في صلاتهم ، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة أمرهم الله أن يتجهوا بصلاتهم إلى بيت المقدس ، واستمرت صلاتهم إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا . ثم جاء الأمر الأخير بتوجههم صلاتهم إلى الكعبة .
قال تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } . ( البقرة : 144 ) وقد انطلقت أبواب اليهود تلوم المسلمين وتشككهم في حقيقة دينهم ، وقالوا لهم : إن كان الوجه إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة .
وإن كان حقا فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل وصلاتكم إليه ضائعة ، وقد رد الله على اليهود شبهتهم ثم قال : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . أي صلاتكم إلى بيت المقدس .
وإذا نحن تلمسنا حكمة التوجه إلى بيت المقدس في بداية الهجرة إلى المدينة نجد أن ذلك تم لحكمة تربوية هي تخليص المسلمين من كل نعرة عصبية . ذلك أن العرب كانوا يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم ويعدونه عنوان مجدهم القديم .
ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من التعلق بغيره ، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغبر المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة ، فقد نزع المسلمون من الاتجاه إلى البيت الحرام واختار لهم الاتجاه فترة إلى المسجد الحرام ، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مخلصا حتى إذا استسلم المسلمون واتجهوا إلى البيت المقدس صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى البيت الحرام .
قال تعالى : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } . ( البقرة : 143 )
توجه الخطاب في هذه الآية لأهل الكتاب ، لأنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة ، حين حولت إلى الكعبة ، فقال الله لهم ما معناه ليس البر في أن تولوا وجوهكم ، في أية ناحية من نواحي الأرض حتى يكون ذلك موضع اهتمامكم ، ومثار فتنتكم للمؤمنين بغير حق .
ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر : يعني ولكن البر الذي يحق الاهتمام بشأنه هو في إيمان من آمن بالله وبالحساب والجزاء في اليوم الآخر وفي إيمان من آمن بالملائكة وبالكتب المنزلة . . .
وقد بين الإمام ابن كثير أن الخطاب في الآية موجه إلى المسلمين وإلى اليهود : " فإن الله تعالى لما أمر المسلمين بالتوجه إلى البيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة ، شق ذلك ، على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين . فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل وامتثال أوامره ، والتوجه حيثما وجه واتباع ما شرع ، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل ، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه .
ولهذا قال : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر } . الآية .
كما قال في الأضاحي والهدايا : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } .
لقد ضرب الله مثلا بالتوجه إلى المشرق والمغرب ليوضح عدم جدوى التمسك بظاهر الشعائر والطقوس الدينية حيث لا خير في مجرد أداء الشعائر والعبادات الشكلية أو إظهار التقوى والورع ليس بالخير الحقيقي عند الله ولا وزن لذلك في عينه تعالى .
وقد صورت هذه الآية جميع مكارم الأخلاق ، وجمعت بين الإيمان والعمل ، وبين حقوق الله وحقوق العباد ، وبين جهاد النفوس وجهاد الأعداء ، وبين صلاح الأفراد والجماعات .
قال الثوري : " في هذه الآية أنواع البر كلها " .
وصدق فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل إلى عرى الإسلام كلها بمجامع الخير كله .
وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى ربا وخالقا ورازقا بيده الخير والأمر ، وهو على كل شيء قدير .
والإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وحشر وثواب وعقاب ليلقى كل إنسان جزاء عمله .
والإيمان بالملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله .
والإيمان بالكتاب وهو اسم جني يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها ، وهو القرآن المبين على ما فبله من الكتب .
والإيمان بالنبيين هو الإيمان بالرسالات جميعا وبالرسل أجمعين .
6- وآتى المال حلى حبه ذوي القربى .
أي أخرجه وهو محب له راغب فيه ولكن غلب جانب الإيثار وضحى بالعاجلة في سبيل الآجلة ، وتحرر من عبودية المال وأنفقه في وجوه الخير على : ذوي القربى . وهم أقرباؤه ، روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذوي الرحم ثنتان : صدقة وصلة " ورواه الترمذي وقال حديث حسن .
وأنفق المال أيضا عن رغبة وطيب نفس على اليتيم الذي فقد ولده .
وهو المسافر المنقطع عن ماله ، وهو في حاجة على المساعدة والمعاونة حتى يستطع الوصول إلى بلده ، وفي هذا تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسر الواحدة .
وفي تحرير الرقاب ، وعتق الأرقاء وتخليص الأسرى من يد العدو بفدائهم . وهذه الأصناف الستة التي ذكري في تلم الجملة الكريمة : وآتى المال على حبه . . . ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر ، ولكنها ذكرت كأمثلة وخصت بالذكر لأنها أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة .
ومن ينظر في القرآن الكريم يجده قد عنى عناية كبرى بالفقراء والمساكين ، وجميع أصناف المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوره تخلوا من الحث على الإنفاق عليهم وبذل العون في مساعدتهم ، وأيضا هناك العديد من الأحاديث النبوية في الحض على مد يد العون إلى ذوي القرابة والمعسرين ، وذلك لأن المجتمعات تحيى وتنهض بالتراحم ، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابير بين أبنائها .
ثم ذكرت الآية ألوانا أخرى من البر تدل على قوة الإيمان ، وحسن الخلق فقالت :
أي أداها كاملة الأركان في أوقاتها مخلصا فيها مناجيا ربه ساجدا لخالقه فالصلاة صلة بين المخلوق والخالق ، وهي حصن الأمان وراحة النفس ودليل الإيمان بالله رب العالمين .
أي أعطى الزكاة المفروضة في ماله وهي نسبة 3/1 العشر من رأس المال أو 2/1 2% ، وللزكاة أثرها في تكافل المجتمع وترابطه وهي ركن عظيم من أعمال البر ومن ثم أجمع الصحابة على محاربة مانعي الزكاة من العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مانعها يهدم ركنا من أركان الإسلام ، وينقض أساس الإيمان .
13- { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } .
أي والذين يوفون بعهودهم إذا عاهدوا عليها ، وهذا شامل لما يعاهد عليه الناس بعضهم بعضا ولما يعاهد عليه المؤمنون ربهم من السمع والطاعة لكل ما أمر به .
ومثل العهود العقود فيجب علينا الوفاء بها ما لم تكن مخالفة لقواعد الدين العامة .
وفي الوفاء بالعهود والعقود حفظ كيان المجتمع من أن ينفرط عقده ، كما أ الغدر والإخلاف هادم للنظام ، مفسد للعمران .
ولو شمل الناس الوفاء لسلموا من التطاحن والبلاء .
15- { والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } .
أي الصابرين لدى الفقر والشدة وعند الضر من مرض وفقد أهل أو ولد ومال ، وفي ميادين القتال . والبأساء من البؤس وهي ما يصيب الناس في الأموال كالفقر والاحتياج .
والضراء من الضر وهي ما يصيبهم في أنفسهم كالأمراض والأسقام ، وحين البأس أي ووقت القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته .
{ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } .
أي هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر هم الصادقون في إيمانهم وفي كل أحوالهم ، وأولئك هم المتقون لعذاب الله تعالى بسبب امتثالهم لأوامره .
وقد رسمت هذه الآية الكريمة منهجا متكاملا للحياة الإسلامية واشتملت على خمسة عشر نوعا من أنواع البر الذي يهدي إلى الحياة السعيدة في الدنيا وإلى رضا الله تعالى في الآخرة .
وقد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير وبر في العقيدة ، وبر في العمل ، وبر في الخلق .
أما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان في قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولمن البر من آمن بالله والآخر والملائكة والكتاب والنبيين . فقد جمعت في هذه الجملة الكريمة مالا يتم الإيمان إلا بتحقيقه .
وأما بر العمل فقد وضحته أبلغ توضيح في قوله تعالى : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب . ولاشك أن إنفاق المال في تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم .
وأما بر الخلق فقد ذكرته بأحكم عبارة في قوله تعالى : { وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } .
وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل أداء الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود ، والتذرع بالصبر ، يدل على صفاء الإيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق .
وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق .
إن سعادة المسلمين تكون في عودتهم إلى دينهم ، وإلى كتاب ربهم وهدى نبيهم : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا . ( الإسراء : 82 ) .
البر : الصلة ، يقال : بَرَّ رحمه إذا وصلها ، والخيروالاتساع في الاحسان ، والطاعة والصدق ، وهو جماع الخير ، والاخلاق الحسنة وما ينشأ عنها من أعمال صالحة يتقرب بها العبد إلى ربه .
أما بالنسبة إلى الله فهو : الثواب والرضا والمحبة الإلهية .
المساكين : مفرده مسكين وهو الذي لا يستطيع العمل ، ولا يفطن أحد له لأنه لا يسأل الناس .
ابن السبيل : هو المسافر إذا انقطع فلا يجد ما يوصله إلى بلده .
السائلين : الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال ، فاضطروا إلى التكفف .
في الرقاب : تحرير العبيد وإعانتهم على فك رقابهم .
الضراء : كل ما يضر الانسان من مرض أو فقد حبيب من أهل أو مال .
هذه أجمع الآيات في تحديد معنى البر من النواحي الواقعية .
فهي ترشد إلى أن البر لا يرتبط بشيء من المظاهر والصور والأشكال ، وإنما بالحقائق ولب الأمور وروح التكاليف .
كما ترشد إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير : برٌّ في العقيدة ، وبر في العمل ، وبر في الخُلق .
يعلمنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن الخير ليس في الجدل في أمور لا تجدي ، ولا هو متعلق بالتوجه إلى المشرق أو المغرب في صلاة مظهرية جوفاء ، كلا ، وإنما هو أولاً الإيمان بالله في ربوبيته ووحدانيته ، والإيمان باليوم الآخر ، حيث تتم المحاسبة على ما جنته الجوارح وما في القلوب والضمائر . بيد أن الإيمان بالله واليوم الآخر لا يمكن للعقل البشري أن يصل إليه مستقلاًّ ، بل لا بد من واسطة تدلنا عليه ، وهي من ثلاثة عناصر : الملائكة الذين يتلقون عن الله مباشرة ، والأنبياء الذين يتلقون عن الملائكة ، والكتاب الذي يتلقونه ويبلّغون ما فيه من أحكام وتشريعات . وقد عبر الله عنها بالكتاب إشارة إلى وحدة الدين عند الله .
هذه الأمور الخمسة هي البر في العقيدة : الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .
أما البر في العمل ، فله شُعب كثيرة ترجع كلها مهما تنوعت إلى بذل النفس والمال ابتغاء مرضاة الله ، وإدخال السرور على خلق الله . والعمل هو مَدَدُ العقيدة ، وفي نفس الوقت ثمرتها يحفظها وينمّيها ، ويدل عليها . وقد ذكرت الآية بذل النفس في أعظم مظهر له ، ذلك هو إقامة الصلاة ، فالصلاة هي عماد الدين ، والفارق بين المؤمن وغيره . إنها مناجاة العبد لربه ، والناهية عن الفحشاء والمنكر ، والعاصمة من الهلع والجزع . هذه هي الصلاة ، إذا اقامها المرء على حقيقتها ، فوقف بين يدي ربه وقد خلع نفسه من كل شيء في دنياه ، وسلّم لله أموره ونسي ما عداه ، بذلك يكون قد بذل نفسه لله ، ووضعها بين يديه ، فجاءت صلاته عهداً حقيقياً بينه وبين ربه .
ثم بين الله تعالى في الآية بذل المال في صورتين : أحدهما : قوله تعالى : { وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وَفِي الرقاب } . والثانية : قوله تعالى : { وآتىالزكاة } ، ويجب أن يفهم هنا بمقتضى هذا الوضع القرآني الكريم أن الزكاة المفروضة شيء ، وأن إيتاء المال لهؤلاء الأصناف المذكورة شيء آخر ، لا يندرج في الزكاة ولا تغني عنه الزكاة .
وقد قدّم الله تعالى الكلام في بذل المال لسد حاجة المحتاجين ، ودفع ضرورة المضطرين ، والقيام بمصالح المسلمين ، وحث عليه وأكده لأنه هو البر الحقيقي . أما الزكاة فهي فرض من الفروض الواجبة على المسلم يؤديها طبقا لشروطها . فإذا لم يقم الأغنياء والقادرون ببذل المال على هذا الوجه ، واكتفوا بدفع الزكاة فقط ، فإنهم ليسوا على البر الذي أراده الله من عباده . وهذا أصل عظيم في تنظيم الحياة الاجتماعية يباح به لمن يولِّيه المسلمون أمرهم أن يشرّع ألوانا من الضرائب إذالم تفِ الزكاة بحاجة الأفراد والمجتمع .
{ وَآتَى المال على حُبِّهِ } أي : بذَلَه رغم فطرة حب المال عند الانسان ، وبذلك يبرز معنى الإيثار { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران : 92 ] و { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الحشر : 9 ] . وقد قال صلى الله عليه وسلم : «أفضل الصدقة أن تصَّدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقروتأمل الغنى » أخرجه البخاري عن أبي هريرة .
ذوي القربى : الأقرباء المحتاجين ، وهم أحق الناس بالبر . وقد ورد في الحديث «أن الصدقة على المسكين صدقة . وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة ، وصلة » .
واليتامى : وهم الصغار فقدوا آباءهم ، وليس لهم عائل يرعاهم . وقد عني الإسلام بأمر اليتيم ، والحث على تربيته ، والمحافظة على نفسه وماله إذا كان له مال . وقد ظهرت عناية القرآن الكريم بشأن اليتيم منذ أن نزل إلى أن انقطع الوحي ، وستمر بنا آيات كثيرة في ذلك . ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «خير بيتٍ في المسلمين بيت فيه يتيم يحسَن إليه ، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه » .
والمساكين : هم الذين لا يستطيعون العمل ، ولا يفطن الناس إليهم لأنهم
وابن السبيل : هو المسافر الذي انقطعت به الطريق فلا يوصله إلى أهله . والسائلين : الذين الجأتهم الحاجة إلى السؤال ، فاضطروا إلى التكفف .
وفي الرقاب : أي : لتحرير الأرقاء . والإسلام أول دين شرّع «العتق » . لقد حث على تحرير العبيد ولم يشرع الرق ، لأن هذا كان موجودا منذ أقدم العصور . لذا جعل من مصارف الزكاة إنفاقها في الرقاب ، أي : فكاك الأسرى وعتق الرقيق . ولقد حث الرسول الكريم في كثير من وصاياه وأحاديثه على الرفق بالرقيق والعمل على تحريرهم .
والبر في الخُلق هو المبدأ الثالث في هذه الآية العظيمة ، وهو يشمل :
مبدأ القيام بالواجب ، وقد جاء التعبير عنه بقوله تعالى : { والموفون بِعَهْدِهِمْ إذا عَاهَدُواْ } .
ومبدأ مقاومة الطوارىء والتغلب على عقبات الحياة كما جاء في قوله تعالى : { والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس } .
والعهد لفظٌ شامل يجمع ألوانا من ارتباطات والتزامات لا غنى للناس عنها ، ولا استقامة للحياة بدونها .
وهي على كثرتها ترجع إلى واحد من ثلاثة : عهد بين العبد وربه ، وعهد بين الانسان وأخيه ، وعهد بين دولة ودولة . أما مبدأ المقاومة فقد عبر عنه تعالى بقوله : { والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس } ، الصبر كما قدمنا الكلام عنه في شرح { استعينوا بالصبر والصلاة } هو عدة النجاح في الحياة ، والسبيل الوحيد للتغلب على جميع الصعاب . وقد ذكر سبحانه هنا ثلاث حالات هي أبرز ما يظهر فيه الهلع : البأساء والضراء وحين البأس . وقد تقدم تفسيرها .
هذه عناصر البر في العقيدة والعمل والخلق ، تحدثت عنها هذه الآية الكريمة ، وختمت حديثها بحصر الصدق والتقوى فيمن اتصف بهذه المبادىء من المؤمنين ، { أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون } ، فالذين يجمعون هذه العقائد والأعمال الخيرة هم الذين صدقوا في إيمانهم .
قرأ حمزة وحفص «ليس البر » بالنصب والباقون «ليس البر » بالرفع . وقرأ نافع وابن عامر «ولكن البر » بتخفيف لكن ورفع البر .