تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (178)

القصاص

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم( 178 ) ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون( 179 ) }

المفردات :

القصاص : المساواة والمماثلة ، وأصله من قص أثره إذا تبعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار .

القتلى : جمع قتيل ، والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى ، فالحر يقتل الحر ، والعبد يقتل العبد والأنثى بالأنثى .

التفسير :

{ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } .

وهذا العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني ، ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضا والمودة ، ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان ، وإجمال وإكمال تحقيقا لصفاء القلوب ، وشفاء لجراح النفوس وتقوية لأواصر الأخوة بين بقاء الأحياء ، وقد امتن الله على المؤمنين بهذا التشريع وبين ما فيه من رحمة بالأمة .

قال ابن عباس : { ذلك تخفيف من ربك ورحمة } . إشارة إلى الحكم بشرع القصاص والدية والعفو .

فإن هذه الأمة خيرت بينها توسعة وتيسيرا ولم يكن لليهود إلا القصاص ، ولم يكن للنصارى إلا العفو ، وإثبات الخيرة فضل من الرحمة في حقنا لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجا إلى المال وقد يكون القود آثر عنده إذا كان راغبا في التشفي ودفع الشر القاتل عن نفسه وقد يؤثر ثواب الآخرة فيعفوا عن القصاص وعن بدله جميعا وهو الدية( 44 ) .

{ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }

أي نوع من العذاب عديد الألم في الآخرة .

وعن قتادة : ( العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ، ولا يقبل منه الدية ) لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول نكث للعهود وإهدار للتراضي ، وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب ، ومتى قبل ولي الدم الدية ، فلا يجوز له أن بعود فينتقم ويعتدي .

ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام ، وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع : إن الغضب للدم فطرة وطبيعية . فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص . فالعدل الجازم هو الذي يكسر شره النفوس ، ويفتأ حنق الصدور ، ويردع الجاني كذلك عن التمادي . ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو ويفتح له الطريق ، ويرسم له الحدود ، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق .

وتذكر بعض الروايات أنة هذه الآية منسوخة . نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . . ( المائدة : 45 ) .

قال ابن كثير في التفسير : وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } . يعني إذا كان عمدا الحر بالحر ، وذلك أن حيين من العرب اقتتلا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل . فكان بينهما قتلى وجراحات حتى قتل العبيد النساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال ، فحلفوا ن يرضوا حتى يقتل بالعبد من ا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، فنزل فيهم { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } . منسوخة بقوله : { النفس بالنفس } .

وإذا علمنا أن النسخ في القديم كان يطلق على مجرد التخصيص أو التوضيح . . .

ولم يكن يعني النسخ عند الأصوليين : " وهو رفع حكم شرعي لاحق لحكم شرعي سابق " .

إذا علمن هذا ، وراعينا سبب النزول أدركنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس ، وأن لكل منها مجالا غير مجال الأخرى ، وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين ، أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين فيؤخذ الجاني ما دام لقتل عمدا ، فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء لجماعي كحالة ذينك الحيين من العرب حيث تعتدي أسرة على أسرة وقبيلة على قبيلة ، أو جماعة على جماعة . فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء ، فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه كالحر من تلك ، والعبد من هذه بالعبد من تلك ، والأنثى من هذه كالأنثى من تلك ، وإلا كيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة ؟ .

وإذ صح هذا انظر لا يكون هنا نسخ لهذه الآية ، ولا تعارض في آيات القصاص .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (178)

كتب : فرض .

القصاص : أن يُقتل القاتل .

الألباب : جمع لب وهو العقل .

{ ياأيها الذين آمَنُواْ } هذا نهج الآيات المدنية فإنها تصدر بهذا النداء ، والحكم لجميع الناس . فُرض عليكم القصاص في القتلى . . . وهو قتْل من قَتل نفسا عامداً متعمداً ، ففي ذلك العدل والمساواة .

لقد كان القصاص في الجاهلية خاضعاً لقوة القبائل وضعفها ، فبعضهم كان لا يكتفي بقتل القاتل الفرد ، بل يطلبون قتل رئيس القبيلة . وبعضهم كان يطلب قتل عدد من الأشخاص بدل المقتول . وهذا ظلم كبير . فجاء الإسلام بالعدل والمساواة ، وفرض قتل القاتل فقط . ثم خصّصت الآية فنصّت على بعض الجزيئات { الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } تأكيداً لإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من فرض عدم التساوي في الدماء . أما الحكم في الإسلام فهو أن يُقتَل القاتل سواء كان حراً قتل عبدا أو بالعكس . وذلك لأن هذا جاء واضحاً في قوله تعالى : { النفس بالنفس } كما جاء في سورة المائدة .

ولكن إذا قتل رجل ولده ، اختلف العلماء في ذلك :

فمنهم من رأى أن يُقتل الوالد كالإمام مالك ، وذلك في حالة ما إذا أضجعه وذبحه بالسكين .

ومنهم من قال لا يُقتل به ، وهم الأغلب .

وكذلك إذا قتل جماعة رجلاً واحداً . . فجمهور العلماء أنهم يقتلون به . كذلك فعل عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما .

واختلفوا في قتل المسلم ذميا ، فبعضهم قال : لا يقتل به وهم الأغلب ،

وقال البعض : يقتل به .

وبعد أن بين سبحانه وتعالى وجوب القصاص ، وهو أساس العدل ، ذكر تشريع العفو ليوجّه النفوس إليه ، ويثير في سبيله عاطفة الأخوة الانسانية ، فقال تعالى ما معناه : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان . وذلك أن القاتل إذا حصل له تجاوز عن جنايته من ولي الدم ، فيجب أن يكون تعاملهما بما يشرح الصدور ، ويذهب بالأحقاد ، على أخيه أن يُتْبع عفوه بالمعروف ، فلا يثقل عليه في البذل ، ولا يحرجه في الطلب . أما القاتل المعفوّ له عن جنايته فعليه أن يقدر ذلك العفو ، فلا يبخس صاحبه حقه ، ولا يمطله في الأداء . وهنا تظهر عظمة الإسلام في القصاص ، فقد نظر إلى أمرٍ لم ينظر إليه القانونيون ، وهو أن جعل القصاص حقا لأولياء القتيل ، كما جعل لهم الخيار بين العفو أو القصاص . فأساس القصاص هو رفع الاعتداء في القتل بقتل القاتل ، فإن سمت نفوس أهل الدم فآثروا العفو ، وجب لهم دية قتيلهم . وعلى أولياء الدم إتباع هذا الحكم بالتسامح ، وعلى القاتل أداء الدية دون مماطلة أو بخس .

ذلك هو الحكم الذي شرعناه لكم من العفو عن القاتل والاكتفاء بقدر من المال ، وهو تخفيف ورخصة من ربكم ورحمة لكم . فمن اعتدى وانتقم من القاتل بعد العفو والرضى بالدية ، فله عذاب أليم من ربه يوم القيامة .