تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (14)

المفردات :

مقامي : أي : الموقف المملوك لله ، الذي يقف به العباد بين يديه للحساب ، أو قيامه على عبده ومراقبته إياه .

وعيد : وعدي بعذاب الكفار والعصاة يوم القيامة .

التفسير :

{ ولنسكننّكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } .

أي : أوحى الله إلى رسله : بأن العاقبة ستكون للمؤمنين ، في ميراث أرض الكافرين ؛ تلك سنّة الله تعالى في خلقه ، أن يعاقب الظالمين المعتدين ، وأن يأخذ بيد المؤمنين العاملين .

قال تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }( الأنبياء : 105 ) .

وفي سورة القصص ، ذكر الله تعالى جانبا كبيرا من قصة موسى مع فرعون ، وصدر قصة موسى في سورة القصص بالعبرة والمغزى ، حيث قال سبحانه : { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين* ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون }( القصص : 6 ، 5 ) .

وقال سبحانه : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي }( المجادلة : 21 ) .

وقال عز شأنه : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين* إنهم لهم المنصورون* وإن جندنا لهم الغالبون }( الصافات : 171 173 ) .

وفي ختام الآية نجد قوله تعالى :

{ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } .

أي : ذلك الذي مرّ بيانه من إهلاك الظالمين ، وإسكان المؤمنين أرضهم وديارهم ، أمر ثابت لكل من خاف قيامي عليه بحفظ أعماله ، ومراقبتي إياه ، وزادت خشيته من مقام ربه ، وجلال عظمته ؛ وخاف وعيدي بالحساب والعذاب للكفرة والعصاة والظالمين .

من تفسير الكشاف للزمخشري

قال الزمخشري : والمراد بالأرض في قوله تعالى : { ولنسكننّكم الأرض من بعدهم }( إبراهيم : 14 ) : أرض الظالمين وديارهم ، ونحوه : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها }( الأعراف : 137 ) .

وقوله تعالى : { وأورثكم أرضهم وديارهم }( الأحزاب : 27 ) .

وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من آذى جاره ؛ ورثه الله داره )7 .

ثم قال الزمخشري : ولقد عاينت هذا في مدة قريبة ، كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا فيها ، ويؤذيني فيه ، فمات ذلك العظيم ، وملّكني الله ضيعته ، فنظرت يوما إلى أبناء خالي يترددون فيها ، ويدخلون في دورها ويخرجون ، ويأمرون وينهون ؛ فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثتهم به ، وسجدنا شكرا لله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (14)

قوله تعالى : " وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا " اللام لام قسم ، أي والله لنخرجنكم . " أو لتعودن " أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا ، قاله الطبري وغيره . قال ابن العربي : وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير ، فإن " أو " على بابها من التخيير ، خير الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم ، وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده ، ألا ترى إلى قوله : " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا . سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا{[9463]} " [ الإسراء : 76 - 77 ] وقد تقدم هذا المعنى في " الأعراف{[9464]} " وغيرها . " في ملتنا " أي إلى ديننا ، " فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم الأرض من بعدهم "

قوله تعالى : " ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد " أي مقامه بين يدي يوم القيامة ، فأضيف المصدر إلى الفاعل . والمقام مصدر كالقيام ، يقال : قام قياما ومقاما ، وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به . والمقام بفتح الميم مكان الإمامة ، وبالضم فعل الإقامة ، و " ذلك لمن خاف مقامي " أي قيامي عليه ، ومراقبتي له ، قال الله تعالى : " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت{[9465]} " . [ الرعد 33 ] وقال الأخفش : " ذلك لمن خاف مقامي " أي عذابي ، " وخاف وعيد " أي القرآن وزواجره . وقيل : إنه العذاب . والوعيد الاسم من الوعد .


[9463]:راجع ج 10 ص 301 فما بعد.
[9464]:راجع ج 7 ص 350.
[9465]:راجع ص 322 من هذا الجزء.