تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (22)

{ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم22 وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام 23 } .

المفردات :

لما قضي الأمر : أي : لما أحكم وفرغ منه .

وعد الحق : وعدا من حقه أن ينجز .

فأخلفتكم : أي : لم أنجز وعدي لكم ، يقال : أخلف وعده ، أي : لم يبر به .

سلطان : أي : تسلط .

بمصرخكم : أي : بمغيثكم ، من أصرخه أي : أغاثه ، يقال : استصرخه فأصرخه ، أي : استغاث به فأغاثه .

بمصرخي : أي : بمغيثي .

إني كفرت بما أشركتمون من قبل : أي إني كفرت بإشراككم إياي في الدنيا ، أو إني كفرت بالذي أشركتمونيه ، أي : بالله تعالى . من قبل إشراككم أنتم به ، فأنا هالك مثلكم .

التفسير :

22 { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم . . . }الآية .

حملت سورة إبراهيم مواقف الحوار في الحشر ، بين المستكبرين وأتباعهم ، وهذه الآية تعرض حوارا آخر ، بين الشيطان وأتباعه ، ومزية هذا الحوار ، أنه يبعث الحياة والحركة في المشهد ، ويجعل الغائب حاضرا ، ويعرض أمام الإنسان موقفا سيأتي يوم القيامة ، بلغة الحديث عن الماضي كأنه مشاهد ملموس .

{ وقال الشيطان لما قضي الأمر } .

أي : عندما قضى الله بين عباده ، فأدخل المؤمنين الجنة ، وأسكن الكافرين النار ، شاهد الكفار أن الرسول قد شفع للمسلمين ، فقال الكفار : من يشفع لنا ، ما هو إلا إبليس الذي أضلنا ، فيأتونه ويسألونه ، فعند ذلك16 يقول هذا القول .

{ إن الله وعدكم وعد الحق } .

أي : على ألسنة رسله بأن يبعثكم ويحاسبكم ، ويجازيكم على أعمالكم بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا ، ووعد الله حق وخبره صدق ، وقد أنجز ما وعد .

{ ووعدتكم فأخلفتكم } . أي : وعدتكم : أن لا جنة ولا نار ولا حساب ولا جزاء ؛ ولئن كانا فنعم الشفيع لكم الأوثان والأصنام .

{ فأخلفتكم } . ما وعدتكم به ، وظهر كذبي فيما قلته لكم ؛ فقد كان وعدا باطلا ، زخرفا وأماني خادعة .

{ وما كان لي عليكم من سلطان } . أي : من قوة وتسلط ؛ تجعلني ألجئكم إلى متابعتي على الكفر والمعاصي .

{ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } . أي : ولكن بمجرد أن دعوتكم إلى الضلال ، بوسوستي وتزييني ؛ استجبتم لدعوتي ، واتبعتم شهوات النفوس ، وخضتم في مسالك الردى .

{ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } . أي : فلا تلوموني بسبب وعودي الكاذبة ، ولكن لوموا أنفسكم ، فإنكم تقبلتم هذه الوعود الكاذبة ، بدون تفكر أو تأمل ، وأعرضتم عن الحق الواضح الذي جاءكم من ربكم .

{ ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي } . أي : بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال ، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه من العذاب والنكال ؛ فقد انقطعت بيننا الأواصر والصلات ، والشيطان هنا يتبرأ من أتباعه ، ويلقي التبعة عليهم ؛ حتى ييأسوا من نصره لهم ؛ لأنه لا يستطيع نصر نفسه ، فكيف يستطيع أن ينصرهم .

{ إني كفرت بما أشركتمون من قبل } . أي : إني برأت اليوم من إشراككم إياي مع الله في الدنيا ، حيث أطعتموني في الشر ، كما يطاع الله في الخير ، كأني معبود معه ، ونظير هذا قوله تعالى : { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } . ( فاطر : 14 ) .

ونرى أن الشيطان قد قدم للكافرين ، سلسلة من المعلومات تقصم ظهورهم ، وتضاعف عليهم الحسرات والمصائب :

1 أوضح لهم : أن مواعيده التي وعدهم بها في الدنيا كانت باطلة ، معارضة لوعد الحق سبحانه .

2 أوضح لهم : أنهم قبلوا مالا يتفق مع العقل .

3 لم يكن قوله إلا مجرد دعوة خالية عن البرهان .

4 عليهم أن يلوموا أنفسهم ، فقد اختاروا الباطل المحض .

5 لا نصر عنده ولا إغاثة فهو مثلهم في بلاء وحيرة .

6 أعلن : أنه كفر بمن أشركه في العبادة وأطاعه .

وفي ختام الآية :

{ إن الظالمين لهم عذاب أليم } .

وهي تقرر حقيقة ثابتة ، بأن جزاء الظلم ؛ العذاب الأليم في الآخرة ، ويحتمل أن تكون هذه الجملة من كلام الشيطان يقرر حقيقة واقعة أمام أتباعه ، تضاعف عليهم الحسرات واليأس والإحباط ، جزاء وفاقا لما عملوه في دنياهم ، وإنما حكى الله عنه ذلك ؛ لتكون بمثابة الإنذار المبكر لهؤلاء الظالمين ؛ حتى يثوبوا إلى رشدهم .

ويحتمل أن تكون هذه الجملة ، حكاية لرد الله سبحانه وتعالى على الشيطان وأتباعه جميعا ، تابعين كانوا أو متبوعين أي : إن الظالمين لهم منا عذاب أليم ، فلا ينفعهم في ذلك اليوم الندم ، ولا إلقاء بعضهم التبعة على بعض .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (22)

قوله تعالى : " وقال الشيطان لما قضي الأمر " قال الحسن : يقف إبليس يوم القيامة خطيبا في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعا . ومعنى : " لما قضي الأمر " أي حصل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، على ما يأتي بيانه في " مريم " {[9489]} عليها السلام . " إن الله وعدكم وعد الحق " يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعقاب العاصي فصدقكم وعده ، ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فأخلفتكم . وروي ابن المبارك من حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال : ( فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ، ثم يقول الكافرون : قد وجه المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ؟ فيقولون : ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ، فيقولون : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فيثور مجلُسه من أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم ويقول عند ذلك : " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم " الآية ) . " وعد الحق " هو إضافة الشيء إلى نعته{[9490]} كقولهم : مسجد الجامع ، قال الفراء قال البصريون : وعدكم وعد اليوم الحق أو وعدكم وعد الوعد الحق فصدقكم ، فحذف المصدر لدلالة الحال . " وما كان لي عليكم من سلطان " أي من حجة وبيان ، أي ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم وزينته لكم في الدنيا ، " إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " أي أغويتكم فتابعتموني . وقيل : لم أقهركم على ما دعوتكم إليه . " إلا أن دعوتكم " هو استثناء منقطع ، أي لكن دعوتكم بالوسواس فاستجبتم لي باختياركم ، " فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " وقيل : " وما كان لي عليكم من سلطان " أي على قلوبكم وموضع إيمانكم لكن دعوتكم فاستجبتم لي ، وهذا على أنه خطب العاصي المؤمن والكافر الجاحد ، وفيه نظر ؛ لقوله : " لما قضي الأمر " فإنه يدل على أنه خطب الكفار دون العاصين الموحدين ، والله أعلم . " فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " إذا جئتموني من غير حجة . " ما أنا بمصرخكم " أي بمغيثكم . " وما أنتم بمصرخي " أي بمغيثي . والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النصرة والمعاونة ، والمصرخ هو المغيث . قال سلامة بن جندل .

كُنَّا إذا ما أتَانَا صارخٌ فَزِعٌ *** وكان الصراخُ له قرعَ الظَّنَابِيبِ{[9491]}

وقال أمية بن أبي الصلت :

ولا تجزعوا إني لكم غيرُ مُصْرِخٍ *** وليس لكم عندي غَنَاءٌ ولا نَصْرُ

يقال : صرخ فلان أي استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة . واصطرخ بمعنى صرخ . والتصرخ تكلف الصراخ . والمُصْرِخُ المغيث ، والمستصرخ المستغيث ، تقول منه : استصرخني فأصرخته . والصريخ صوت المستصرخ . والصريخ أيضا الصارخ ، وهو المغيث والمستغيث ، وهو من الأضداد ، قاله الجوهري . وقراءة العامة " بمصرخي " بفتح الياء . وقرأ الأعمش وحمزة " بمصرخي " بكسر الياء . والأصل فيها بمصرخيين فذهبت النون للإضافة ، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة ، فمن نصب فلأجل التضعيف ، ولأن ياء الإضافة إذا سكن ما قبلها تعين فيها الفتح مثل : هواي وعصاي ، فإن تحرك ما قبلها جاز الفتح والإسكان ، مثل : غلامي وغلامتي ، ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر ؛ لأن الياء أخت الكسرة . وقال الفراء : قراءة حمزة وهم منه ، وقل من سلم منهم{[9492]} عن خطأ . وقال الزجاج : هذه قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف . وقال قطرب : هذه لغة بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء . القشيري : والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيح أو رديء ، بل هو في القرآن فصيح ، وفيه ما هو أفصح منه ، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح . " إني كفرت بما أشركتموني من قبل " أي كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة ، ف " ما " بمعنى المصدر . وقال ابن جريج{[9493]} : إني كفرت اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشرك بالله تعالى . قتادة : إني عصيت الله . الثوري : كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا . " إن الظالمين لهم عذاب أليم " . وفي هذه الآيات رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ومن كان على طريقهم ، انظر إلى قول المتبوعين : " لو هدانا الله لهديناكم " وقول إبليس : " إن الله وعدكم وعد الحق " كيف اعترفوا بالحق في صفات الله تعالى وهم في دركات النار ، كما قال في موضع آخر : " كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها " [ الملك : 8 ] إلى قوله : " فاعترفوا بذنبهم{[9494]} " [ الملك : 11 ] واعترافهم في دركات لظى بالحق ليس بنافع ، وإنما ينفع الاعتراف صاحبه في الدنيا ، قال الله عز وجل : " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم{[9495]} " [ التوبة : 102 ] و " عسى " من الله واجبة{[9496]} .


[9489]:راجع ج 11 ص 105.
[9490]:كذا في الأصول.
[9491]:الظنابيب (جمع) ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم. وقرع الظنبوب: أن يقرع الرجل ظنبوب البعير ليتنوخ له فيركبه، والمراد هنا سرعة الإجابة.
[9492]:أي من الفراء.
[9493]:كذا في ع، وفي ا و ج و و: ابن حجر.
[9494]:راجع ج 18 ص 212.
[9495]:راجع ج 8 ص 241 و ص 313.
[9496]:أي ما دلت عليه محقق الحصول من الله.