تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّـٰبِرِينَ} (126)

120

المفردات :

العقاب : في أصل اللغة : المجازاة على أذى سابق ، ثم استعمل في مطلق العقاب .

التفسير :

{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } .

تحدث المفسرون كما تحدثت كتب علوم القرآن ، عن أسباب نزول هذه الآية وما بعدها إلى آخر سورة النحل ، فذكر جمع من المفسرين : أن هذه الآيات نزلت في أعقاب غزوة أحد .

روى الحافظ البزار عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد ، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه ، وقد مثل المشركون به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد كنت وصولا للرحم ، فعولا للخيرات ، والله لولا حزن من بعدك عليك ؛ لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع ، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك ) فنزلت هذه الآية ، فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه74 .

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره :

إن هذا الإسناد السابق فيه ضعف ؛ لأن أحد رواته وهو( صالح بن بشر المرّى ) ضعيف عن الأئمة ، وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه عن أبي كعب ، قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كان لنا يوم مثل هذا اليوم من المشركين لنمثلن بهم ، فلما كان يوم الفتح ، قال رجل : لا تعرف قريش بعد اليوم ، فنادى مناد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أمن الأبيض والأسود ، إلا فلانا وفلانا ( ناسا سماهم ) ، فنزلت الآيات الثلاث الأخيرة من سورة النحل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصبر ولا نعاقب . 75 .

وقد ذكر بعض العلماء : أن هذه الآيات الثلاث الأخيرة من سورة النحل ، تكرر نزولها ، فنزلت يوم أحد ونزلت عند فتح مكة ، والحكمة في تكرير نزولها ؛ شدة الحاجة إلى العمل بمعانيها ، عند الرغبة في التشفي ، ودعوة القرآن إلى الصبر .

وعند التأمل نجد أن الآيات دعوة إلهية إلى الصبر والاحتمال ، وهي دستور مفيد للإنسان وللجماعات والأمم ، وسواء كان نزولها في غزوة أحد ، أو عند فتح مكة ، أو عند حياة المسلمين بمكة قبل الهجرة ، فإن معانيها عامة ، وأوامرها وآدابها مطلوبة للحياة والأفراد .

وفي معنى قوله تعالى : { وإن عاقبتم . . . } الآية . يقول سبحانه وتعالى : { وجزاء سيئةٍ سيئةُ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله } . ( الشورى : 40 ) .

أي : إن من حق الإنسان أن يعاقب على الإساءة إليه ، بالقصاص أو بالعقوبة المناسبة ، فإذا عفي وأصلح ؛ فإنه ينال جزاءه عند الله في الحياة الآخرة .

وكذلك معنى الآية يفيد : أنه يحق للإنسان أن يعاقب المعتدي بمثل عقوبته ، وله أن يعفو ويصفح ، وهذا خير وأفضل ، وفي الحديث النبوي الشريف :

( ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال عبد من صدقة ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا فاعفوا يعزكم الله )76 .

وقال الشيخ أحمد المراغي في تفسير المراغي :

والخلاصة : أنكم إن رغبتم في القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ؛ فإن الزيادة ظلم ، والظلم لا يحبه الله ولا يرضى به ، وإن تجاوزتم عن العقوبة وصفحتم ؛ فذلك خير وأبقى ، والله هو الذي يتولى عقاب الظالم ويناصر المظلوم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّـٰبِرِينَ} (126)

فيه أربع مسائل :

الأولى : أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية ، نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد ، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السير . وذهب النحاس إلى أنها مكية ، والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا ؛ لأنها تتدرج الرتب من الذي يُدعى ويُوعظ ، إلى الذي يجادل ، إلى الذي يجازى على فعله . ولكن ما روى الجمهور أثبت . روى الدارقطني عن ابن عباس قال : لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى منظرا ساءه رأى حمزة قد شُقّ بطنه ، واصطلم أنفه ، وجدعت أذناه ، فقال : ( لولا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدي ، لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير ، لأمثلن مكانه بسبعين رجلا ) ثم دعا ببردة وغطى بها وجهه ، فخرجت رجلاه فغطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وجعل على رجليه من الإذخر ، ثم قدمه فكبر عليه عشرا ، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه ، حتى صلى عليه سبعين صلاة ، وكان القتلى سبعين ، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة - إلى قوله - واصبر وما صبرك إلا بالله " فصبر . رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمثل بأحد . خرجه إسماعيل بن إسحاق من حديث أبي هريرة ، وحديث ابن عباس أكمل . وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره . وحكاه الماوردي عن ابن سيرين ومجاهد .

الثانية : واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال ، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه ، فقالت فرقة : له ذلك ، منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي وسفيان ومجاهد ، واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها . وقال مالك وفرقة معه : لا يجوز له ذلك ، واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ) . رواه الدارقطني وقد تقدم هذا في " البقرة " مستوفى{[10100]} . ووقع في مسند ابن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر ، ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر ، فاستشار ذلك الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر فقال له : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ) . وعلى هذا يتقوى قول مالك في أمر المال ؛ لأن الخيانة لاحقة في ذلك ، وهي رذيلة لا انفكاك عنها ، فينبغي أن يتجنبها لنفسه ، فإن تمكن من الانتصاف من مال لم يأتمنه عليه فيشبه أن ذلك جائز وكأن الله حكم له ، كما لو تمكن الأخذ بالحكم من الحاكم . وقد قيل : إن هذه الآية منسوخة ، نسختها : " واصبر وما صبرك إلا بالله " .

الثالثة : في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص ، فمن قتل بحديدة قتل بها . ومن قتل بحجر قتل به ، ولا يتعدى قدر الواجب ، وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " مستوفى{[10101]} . والحمد لله

الرابعة : سمى الله تعالى الإذايات في هذه الآية عقوبة ، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية ، وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول ، وهذا بعكس قوله : " ومكروا ومكر الله{[10102]} " [ آل عمران : 54 ] وقوله : " الله يستهزئ بهم{[10103]} " [ البقرة : 15 ] فإن الثاني هنا هو المجاز والأول هو الحقيقة ، قاله ابن عطية .


[10100]:راجع ج 2 ص 355.
[10101]:راجع ج 3 ص 355.
[10102]:راجع ج 4 ص 98.
[10103]:راجع ج 1 ص 207.