غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّـٰبِرِينَ} (126)

101

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف ، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة ، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً : { وإن عاقبتم } ، أي : إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه . والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا : إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد ، بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم ، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب . فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به . وروي فرآه مبقور البطن فقال : أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك . فنزلت ، فكفر عن يمينه وكف عما أراده . قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب . ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية . ولا خلاف في تحريم المثلة ، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور ، وقيل : نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم }[ البقرة : 190 ] ، أمر الله تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا . وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين : إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم . وفي قوله : { إن عاقبتم } ، رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض : إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً . { ولئن صبرتم لهو خير } ، أي : صبركم خير لكم . فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم ، أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم ، أو جنس الصبر خير { للصابرين } من جنسهم .

/خ128