تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا} (62)

61

المفردات :

أرأيتك : أي : أخبرني .

هذا الذي كرمت علي : أي : أهذا الذي كرمته علي . قال احتقارا واستصغارا لشأنه .

لأحتنكن : من قولهم : حنك الدابة واحتنكها ؛ إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، كلأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه .

التفسير :

62- { قال أرأيتك{[424]} هذا الذي كرمت علي . . . }

أي : أخبرني عن هذا الذي كرمه علي ، بأن أمرتني بالسجود له ، لم كرمته علي ؟ أو المعنى : أخبرني أهذا الذي كرمته علي ؟ !

{ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن{[425]} ذريته إلى قليلا } .

أي لأعمنهم وأهلكنهم بالإغراء إلا المخلصين . ولأستولين عليهم استيلاء من جعل في حنك الدابة الأسفل حبلا يقودها به فلا تأبى عليه .

وجاء في تفسير الخطيب :

فإن قيل : كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ أجيب : بأوجه :

الأول : أنه سمع الملائكة يقولون : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، فعرف هذه الأحوال .

الثاني : أنه وسوس إلى آدم ولم يجد له عزما ، فقال : الظاهر أن أولاده يقولون مثله في ضعف العزم{[426]} .

الثالث : أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وقوة سبعية غضبية{[427]} .


[424]:- الكاف للخطاب وهذا مفعول به.
[425]:- احتنك الجراد الأرض؛ إذا أجرد ما عليها أكلا، وهو من الحنك، ومنه ما ذكر سيبويه من قولهم: أحنك الشاتين أي: أكلهما، تفسير الكشاف 2/3666.
[426]:- الظاهر من نصوص الدين أن إبليس قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة وقارن بتفسير الكشاف للزمخشري ج 2 ص 336.
[427]:- تفسير الخطيب الشربيني 2/304.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا} (62)

" قال أرأيتك " أي قال إبليس . والكاف توكيد للمخاطبة . " هذا الذي كرمت علي " أي فضلته علي . ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة . وقد تقدم هذا في " الأعراف{[10298]} " . و " هذا " نصب ب " أرأيت " . " الذي " نعته . والإكرام : اسم جامع لكل ما يحمد . وفي الكلام حذف تقديره : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي ، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين ؟ فحذف لعلم السامع . وقيل : لا حاجة إلى تقدير الحذف ، أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا . ومعنى " لأحتنكن " في قول ابن عباس : لأستولين عليهم . وقاله الفراء . مجاهد : لأحتوينهم . ابن زيد : لأضلنهم . والمعنى متقارب ؛ أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ، ولأجتاحنهم . وروي عن العرب : احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله . وقيل : معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت . ومن قولهم : حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن . وكذلك احتنكه . والقول الأول قريب من هذا ؛ لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك . وقال الشاعر :

أشكو إليك سَنَةً قد أجحفت*** جهدا إلى جهد بنا وأضعفت

واحتنكت أموالنا واجتلفت{[10299]}

" إلا قليلا " يعني المعصومين ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " [ الإسراء : 65 ] وإنما قال إبليس ذلك ظنا ، كما قال الله تعالى : " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " {[10300]} [ سبأ : 20 ] أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم ، أو بنى على قول الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد{[10301]} فيها " [ البقرة : 30 ] . وقال الحسن : ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عزما .


[10298]:راجع ج 1 ص 279 و 161 و ج 7 ص 168 و 171.
[10299]:أي أذهبت.
[10300]:راجع ج 14 ص 291.
[10301]:راجع ج 1 ص 279 و 161 و ج 7 ص 168 و 171.