الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا} (62)

" قال أرأيتك " أي قال إبليس . والكاف توكيد للمخاطبة . " هذا الذي كرمت علي " أي فضلته علي . ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة . وقد تقدم هذا في " الأعراف{[10298]} " . و " هذا " نصب ب " أرأيت " . " الذي " نعته . والإكرام : اسم جامع لكل ما يحمد . وفي الكلام حذف تقديره : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي ، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين ؟ فحذف لعلم السامع . وقيل : لا حاجة إلى تقدير الحذف ، أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا . ومعنى " لأحتنكن " في قول ابن عباس : لأستولين عليهم . وقاله الفراء . مجاهد : لأحتوينهم . ابن زيد : لأضلنهم . والمعنى متقارب ؛ أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ، ولأجتاحنهم . وروي عن العرب : احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله . وقيل : معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت . ومن قولهم : حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن . وكذلك احتنكه . والقول الأول قريب من هذا ؛ لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك . وقال الشاعر :

أشكو إليك سَنَةً قد أجحفت*** جهدا إلى جهد بنا وأضعفت

واحتنكت أموالنا واجتلفت{[10299]}

" إلا قليلا " يعني المعصومين ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " [ الإسراء : 65 ] وإنما قال إبليس ذلك ظنا ، كما قال الله تعالى : " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " {[10300]} [ سبأ : 20 ] أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم ، أو بنى على قول الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد{[10301]} فيها " [ البقرة : 30 ] . وقال الحسن : ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عزما .


[10298]:راجع ج 1 ص 279 و 161 و ج 7 ص 168 و 171.
[10299]:أي أذهبت.
[10300]:راجع ج 14 ص 291.
[10301]:راجع ج 1 ص 279 و 161 و ج 7 ص 168 و 171.