70- { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } .
قال النيسابوري : وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوها منها : تعلم الكتابة ؛ فبها يقدر الإنسان على إبداع العلوم التي استنبطها هو أو غيره في الدفاتر ، فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس ، محفوظة عن الانطماس : { اقرأ وربّك الأكرم . الذي علّم بالقلم } . ( العلق : 4 ، 3 ) .
ومنها : الصورة الحسنة : { وصوركم فأحسن صوركم } ، ومنها : القامة المعتدلة : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ، ومنها : أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم .
يحكى عن الرشيد : أنه حضر إليه طعام فأحضرت الملاعق وعنده أبو يوسف ، فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس : أن هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها ؛ فرد الملاعق وأكل بأصابعه ، ومنها : ما قال الضحاك : أنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوانات ، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة ، ويخرج الببغاء ونحوه ؛ لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال ، ومنها : تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم فالأرض كالأم الحاضنة : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } وهي لهم فرش ومهاد ، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة ، وماء البحر ينتفع به في التجارة استخراج الحلي منها ، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح ؛ لاستولى النتن على المعمورة ، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك ، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والحيوانية ظاهر ، وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع فأي تكريم يكون أزيد من هذا{[435]} .
{ ورزقناهم من الطيبات } . والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة ، فلا يذكر الكثير من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرم منها ، فعندئذ يعرف قيمة ما يستمتع به ، ولكنه سرعان ما يعود فينسى . . هذه الشمس ، هذا الهواء ، هذا الماء ، هذه الصحة ، هذه القدرة على الحركة ، هذه الحواس ، هذا العقل ، هذه المطاعم والمشارب والمشاهد ، هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه ، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه .
{ وفضلناكم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } . أي : فضلناهم على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير تفضيلا عظيما .
ومن التكريم : أن يكون الإنسان قيما على نفسه ، محتملا تبعة اتجاهه وعمله ، فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنسانا . وهي حرية الاتجاه وفردية التبعة ، وبها استخلف في دار العمل ، فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب{[436]} .
فيه ثلاث مسائل{[10315]} :
الأولى : قوله تعالى : " ولقد كرمنا بني آدم " الآية . لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضا . " كرمنا " تضعيف كرم ، أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا . وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال . وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة ، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره . وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس ، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم ؛ لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان ، ويلبسون الثياب ويأكلون المركبات من الأطعمة . وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير مركب . وحكى الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم . وروي عن ابن عباس ، ذكره المهدوي والنحاس ، وهو قول الكلبي ومقاتل ، ذكره الماوردي . وقال الضحاك : كرمهم بالنطق والتمييز . عطاء : كرمهم بتعديل القامة وامتدادها . يمان : بحسن الصورة . محمد بن كعب : بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم . وقيل : أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب . وقال محمد بن جرير الطبري : بتسليطهم على سائر الخلق ، وتسخير سائر الخلق لهم . وقيل : بالكلام والخط . وقيل : بالفهم والتمييز . والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف ، وبه يعرف الله ويفهم كلامه ، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله ، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب . فمثال الشرع الشمس ، ومثال العقل العين ، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء . وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض . وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالا يفضل بها ابن آدم أيضا ؛ كجري الفرس وسمعه وإبصاره ، وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك . وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه . والله أعلم .
الثانية : قالت فرقة : هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى : " ولا الملائكة المقربون{[10316]} " [ النساء : 171 ] . وهذا غير لازم من الآية ، بل التفضيل فيها بين الإنس والجن ، فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر الحيوان ، والجن هو الكثير المفضول ، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول ، ولم تتعرض الآية لذكرهم ، بل يحتمل أن الملائكة أفضل ، ويحتمل العكس ، ويحتمل التساوي ، وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى القطع . وقد تحاشى قوم من الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض ؛ إذ في الخبر ( لا تخايروا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متى ) . وهذا ليس بشيء ؛ لوجود النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء . وقد بيناه في " البقرة " {[10317]} ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن{[10318]} .
الثالثة : قوله تعالى : " ورزقناهم من الطيبات " يعني لذيذ المطاعم المشارب . قال مقاتل : السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى ، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها . " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء ، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة .
الرابعة : هذه الآية ترد ما روي عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق منها ) . وبه يستدل كثير من الصوفية في ترك أكل الطيبات ، ولا أصل له ؛ لأن القرآن يرده ، والسنة الثابتة بخلافه ، على ما تقرر في غير موضع . وقد حكى أبو حامد الطوسي قال : كان سهل يقتات من ورق النبق مدة ، وأكل دقاق ورق التين ثلاث سنين . وذكر إبراهيم بن البنا قال : صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية ، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي ، وقلت : هلم . فقال لي : ملحك مدقوق ؟ قلت نعم . قال : لست تفلح ! فنظرت إلى مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يسف منه . وقال أبو يزيد : ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة . قال علماؤنا : وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه ؛ لأن الله تعالى أكرم الآدمي بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم ، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن ، وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج{[10319]} ، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه ؛ لأن خبز الشعير بارد مجفف ، والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر . وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوومت حكمة البارئ سبحانه بردها ، ثم يؤثر ذلك في البدن ، فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل . ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ، ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ . وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلا وخبز حُوارى ، فقيل له : هذا كله ؟ فقال : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال ، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال . وكان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج{[10320]} ثم يقوم إلى الصلاة . ومثل هذا عن السلف كثير . وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة{[10321]} والأعراف{[10322]} وغيرهما . والأول غلو في الدين إن صح عنهم " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم{[10323]} " [ الحديد :27 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.