تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} (73)

71

المفردات :

وإن كادوا ليفتنوك : إن مخففة من إن ، وكادوا أي : أوشكوا- ليفتنونك- أي : ليوقعونك في بلية ؛ بصرفك عما أوحي إليك .

تركن : أي : تميل . يقال : ركن إليه يركَن ، وركن إليه يركُن ركونا ، مال إليه .

التفسير :

74 ، 73- { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا . ولولا أن تبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } .

إخبار عن تأييده تعالى رسوله ، صلوات الله عليه وسلامه ، وتثبيته وعصمته ، وتولى أمره وحفظه . فإن المشركين ، لكثرة تفننهم في ضروب الأذى ، وشدة تعنتهم وقوة شكيمتهم ، كادوا أن يفتنوه ، ولكن عناية الله وحفظه ، هو الذي ثبت قدمه في مثل مقامه ، في الدعوة إلى الله الذي لا يثبت فيه أحد غيره .

وقد روى : أن ثقيفا قالوا : لا نؤمن حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب ، لا ننحني في الصلاة ، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا ، وأن تمتعنا بالات سنة من غير أن نعبدها ، فإن خشيت أن يقول العرب : لم أعطيتهم ما لم تعطنا ؟ فقل : الله أمرني بذلك .

وروي : أن قريشا قالوا : لا ندعك يا محمد أن تستلم الحجر الأسود حتى تمس آلهتنا . وقالوا أيضا : نؤمن بك إن تمس آلهتنا .

قال الإمام الطبري :

يجوز أن تكون الفتنة ما ذكر وأن تكون غير ذلك ، ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أي ذلك كان . فالأصوب الإيمان بظاهره ؛ حتى يأتي ما يجب التسليم له ببيان ما عنى بذلك منه .

وفي ضلال القرآن :

يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأولها محاولة فتنته عما أوحى الله إليه ؛ ليفتري عليه غيره وهو الصادق الأمين .

لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى . . . منها : مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم . . ومنها : طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء . .

والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصلها ؛ ليذكر فضل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تثبيته على الحق ، وعصمته من الفتنة ، ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته ؛ لركن إليهم فاتخذوه خليلا{[439]} .

{ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } .

أي : ولولا تثبيتنا إياك وعصمتك عما دعوك إليه لقاربت أن تميل إلى ما يريدون .

وخلاصة ذلك : أنك كنت على أهبة الركون إليهم ، لا لضعف منك ، بل لشدة مبالغتهم في التحيل والخداع ، ولكن عنايتنا بك منعتك أن تقرب من الركون ، فضلا عن أن تركن إليهم .

وعن قتادة : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) .


[439]:- في ظلال القرآن 15/59.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} (73)

قوله تعالى : " وإن كادوا ليفتنونك " قال سعيد بن جبير : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه ، فمنعته قريش وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تُلِمّ بآلهتنا . فحدث نفسه وقال : ( ما علي أن أُلِمّ بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره ) فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية ، قاله مجاهد وقتادة . وقال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت في وفد ثقيف ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها ، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا ، وحرم وادينا كما حرمت مكة ، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية . وقيل : هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد عنا هؤلاء السُّقَّاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك ، فهمَّ بذلك حتى نهي عنه . وقال قتادة ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ، ويسودونه ويقاربونه ، فقالوا : إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس ، وأنت سيدنا ياسيدنا ، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ، ثم عصمه الله من ذلك ، وأنزل الله تعالى هذه الآية . ومعنى " ليفتنونك " أي يزيلونك . يقال : فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه ، قاله الهروي . وقيل يصرفونك ، والمعنى واحد . " عن الذي أوحينا إليك " أي حكم القرآن ؛ لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن . " لتفتري علينا غيره " أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك ، وهو قول ثقيف : وحرم وادينا كما حرمت مكة ، شجرها وطيرها ووحشها ، فإن سألتك العرب لم خصصتهم فقل الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك . " وإذا لاتخذوك خليلا " أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا ، أي والوك وصافوك ، مأخوذ من النخلة ( بالضم ) وهي الصداقة لممايلته لهم . وقيل : " لاتخذوك خليلا " أي فقيرا . مأخوذ من الخلة ( بفتح الخاء ) وهي الفقر لحاجته إليهم .