ووضع الكتاب : وضعت صحائف أعمال البشر في أيديهم .
حاضرا : مسطورا في كتاب كل منهم .
ولا يظلم ربك أحدا : لا يعاقب إنسانا بغير جزم ، ولا ينقص من ثواب المحسنين .
49- { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه . . . }
أي : وضعت صفائح الأعمال للبشر وعرضت عليهم ، وفي هذه الصحف الجليل والحقير .
{ ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } .
أي : يا حسرتنا ويا هلاكنا على ما فرطنا في حياتنا الدنيا ، ما شأن هذا الكتاب ، لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ضبطها وأحاط بها ! ! !
أي : من خير وشرح وجدوه مثبتا في الكتاب .
قال تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } . ( آل عمران : 30 ) .
وقال سبحانه : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } . ( القيامة : 13 ) .
{ ولا يظلم ربك أحدا } ، أي : لا يعاقب إنسانا بدون جرم ، ولا ينقص من ثواب المحسنين ؛ فهو سبحانه عادل في حكمه ، وكريم متفضل أيضا ، قال تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . ( النساء : 40 ) .
وقال تعالى : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } . ( الأنبياء : 47 ) . روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند إسته بقدر غدرته ، يقال : هذه غدرة فلان بن فلان )40 .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن أنيس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يحشر الناس يوم القيامة ، حفاة عراة غرلا بُهما ) قلت : وما بُهما ؟ قال : ( ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الدّيان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق ؛ حتى أقضيه منه ، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه ، حتى اللطمة ) قال : قلنا : كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلا بهما ؟ ! قال : ( بالحسنات والسيئات )41 .
وتفيد الآيات السابقة : عرض مشاهد القيامة ، وعدالة الحساب ، وندم المجرمين ، وأن الجزاء الحق من جنس العمل ، قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 8 ، 7 ) .
قوله تعالى : " ووضع الكتاب " " الكتاب " اسم جنس ، وفيه وجهان : أحدهما : أنها كتب الأعمال في أيدي العباد ، قاله مقاتل . الثاني : أنه وضع الحساب ، قاله الكلبي ، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة . والقول الأول أظهر ، ذكره ابن المبارك قال : أخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شك نعيم - عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من بني أسد قال قال عمر لكعب : ويحك يا كعب حدثنا من حديث الآخرة ، قال : نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله - قال - ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنثر حول العرش ، وذلك قوله تعالى : " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها - قال الأسدي : الصغيرة ما دون الشرك ، والكبيرة الشرك ، إلا أحصاها - قال كعب : ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته باديات للناس وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول كانت لي حسنات فلم تذكر ، فأحب الله أن يريه عمله كله حتى إذا استنقص ما في الكتاب وجد في آخر ذلك كله أنه مغفور وأنك من أهل الجنة ، فعند ذلك يقبل إلى أصحابه ثم يقول " هاؤم اقرؤوا كتابيه . إني ظننت أني ملاق حسابيه " {[10568]} [ الحاقة : 19 ] ثم يدعي بالكافر فيعطى كتابه بشماله ثم يلف فيجعل من وراء ظهره ويلوي عنقه ، فذلك قوله " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره{[10569]} " [ الانشقاق : 10 ] فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات للناس وينظر في حسناته لكيلا يقول أفأثاب على السيئات . وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول : يا ويلتاه ضجوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر . قال ابن عباس : الصغيرة التبسم ، والكبيرة الضحك ، يعني ما كان من ذلك في معصية الله عز وجل ، ذكره الثعلبي . وحكى الماوردي عن ابن عباس أن الصغيرة الضحك .
قلت فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية ، فإن الضحك من المعصية رضا بها والرضا بالمعصية معصية ، وعلى هذا تكون كبيرة ، فيكون وجه الجمع هذا والله أعلم . أو يحمل الضحك فيما ذكر الماوردي على التبسم ، وقد قال تعالى : " فتبسم ضاحكا من قولها{[10570]} " [ النمل : 19 ] . وقال سعيد بن جبير : إن الصغائر اللمم كالمسيس والقُبَل ، والكبيرة : المواقعة والزنى . وقد مضى في " النساء " {[10571]} بيان هذا . قال قتادة : اشتكى القوم الإحصاء وما اشتكى أحد ظلما ، فإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه . وقد مضى . ومعنى " أحصاها " عدها وأحاط بها ، وأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعا . " ووجدوا ما عملوا حاضرا " أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرا وقيل : وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا . " ولا يظلم ربك أحدا " أي لا يأخذ أحدا بجرم أحد ، ولا يأخذوه بما لم يعمله ، قال الضحاك . وقيل : لا ينقص طائعا من ثوابه ولا يزيد عاصيا في عقابه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.