تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا} (10)

تصريف القول بين الدنيا والآخرة ، والنار والجنة :

{ تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ( 10 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ( 11 ) إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ( 12 ) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ( 13 ) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ( 14 ) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا ( 15 ) لَهُمْ فِيهَا مَا يشاءون خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مسئولا ( 16 ) } .

المفردات :

تبارك : تقدس وكثر خيره ، وعمت بركته .

خيرا من ذلك : الذي اقترحه المشركون .

قصورا : أي : كثيرة لا قصرا واحدا .

الساعة : قيام الناس لرب العالمين ، وسبب التسمية : أنه تعالى يفجأ بها الناس في ساعة لا يعلمها إلا هو .

سعيرا : نارا شديدة الاستعار ، أي : الاتقاد .

تغيظا : سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ ، وهو إظهار أشد الغيظ والغضب .

زفيرا : الزفير : إخراج النفس ، وضده الشهيق ، أي : صوت الزافر الحزين الذي يخرج النفس من جوفه ، والمراد : صوتا حزينا مرعبا .

مكانا ضيقا : أي : ألقوا من النار في مكان ضيق لزيادة تعذيبهم .

ثبورا : هلاكا ، أي : نادوا : يا هلاكنا احضر لتنقذنا من هذا العذاب .

ثبورا كثيرا : أي : نادوا هلاكا كثيرا ، ليخلصكم من كل نوع من أنواع العذاب الذي ينتظركم في جهنم ، فإن أنواعه كثيرة متجددة .

الخلد : المكث الطويل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا} (10)

قوله تعالى : " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات " شرط ومجازاة ، ولم يدغم " جعل لك " لأن الكلمتين منفصلتان ، ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين . " ويجعل لك " في موضوع جزم عطفا على موضع " جعل " . ويجوز أن يكون في موضع رفع مقطوعا من الأول . وكذلك قرأ أهل الشام . ويروى عن عاصم أيضا : " ويجعل لك " بالرفع ، أي وسيجعل لك في الآخرة قصورا . قال مجاهد : كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرا كائنا ما كان . والقصر في اللغة الحبس ، وسمي القصر قصرا لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه . وقيل : العرب تسمي بيوت الطين القصر . وما يتخذ من الصوف والشعر البيت . حكاه القشيري . وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ولم يعط ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك ، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا ، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة ، فقال : ( يجمع ذلك لي في الآخرة ) فأنزل الله عز وجل : " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا " . ويروى أن هذه الآية أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وفي الخبر : إن رضوان لما نزل سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا محمد ! رب العزة يقرئك السلام ، وهذا سَفَط{[12097]} - فإذا سفط من نور يتلألأ - يقول لك ربك : هذه مفاتيح خزائن الدنيا ، مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ، فضرب جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع ، فقال : ( يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إلي وأن أكون عبدا صابرا شكورا ) . فقال رضوان : أصبت ! الله لك . وذكر الحديث .


[12097]:السفط: الذي يُعبَّى فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء، وقيل: كالجوالق.