تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ} (60)

59

المفردات :

حدائق : جمع حديقة ، وهي البستان عليه سور أو حائط ، من أحدق بالشيء : إذا أحاط به ، ثم توسع فيها فاستعملت في كل بستان وإن لم يكن محوطا بحائط .

ذات بهجة : البهجة : حسن المنظر .

يعدلون : يميلون ، يقال : عدل عنه ، أي : مال عنه .

التفسير :

60- { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون } .

من الذي بدأ الخلق ورفع السماء وبسط الأرض ، وجعل الفضاء والهواء بين السماء والأرض ، وأنزل المطر من السماء لمصلحة الإنسان ، فأنبت بالماء الحدائق والبساتين التي تبهج الإنسان وتسعده ، وإن نظرة إلى ما حولنا ، من ارتفاع السماء ، واتساع الفضاء ، والأرض المبسوطة ، والفضاء والهواء والماء ، ونزول المطر وإنبات النبات وكل زهرة فيها لمسة الإبداع ، التي تعجز ريشة الفنان عن إبداعها ، فضلا عن سريان الماء في أوراق الأشجار وأغصانها ، وما كان للإنسان أن يسخر المطر أو ينبت النبات ، أو يبدع جريان الماء في داخل الشجر .

{ أإله مع الله . . . }

أي : أكل هذه النعم الجليلة ، والخلق البديع ، يخلقه خالق آخر مع الله ؟ أو يمكن أن يبدعه صنم أو وثن أو جن أو ملائكة ، حتى تعبدوا الصنم وغيره ، وتتركوا عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

{ بل هم قوم يعدلون }

انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى تبكيتهم بطريق الغيبة ، أي : لا هم قوم يعدلون ، ينصرفون عن الحق وهو التوحيد إلى الباطل وهو عبادة الأصنام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ} (60)

قوله تعالى : " أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء " قال أبو حاتم : تقديره ؛ آلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض ؛ وقد تقدم . ومعناه : قدر على خلقهن . وقيل : المعنى ، أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض ؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى ، وفيه معنى التوبيخ لهم ، والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم . " فأنبتنا به حدائق ذات بهجة " الحديقة البستان الذي عليه حائط . والبهجة المنظر الحسن . قال الفراء : الحديقة البستان المحظر عليه حائط ، وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة . وقال قتادة وعكرمة : الحدائق النخل ذات بهجة ، والبهجة الزينة والحسن ، يبهج به من رآه . " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " " ما " للنفي . ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا ، أي ما كان للبشر ، ولا يتهيأ لهم ، ولا يقع تحت قدرتهم ، أن ينبتوا شجرها ؛ إذ هم عجزة عن مثلها ، لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود .

قلت : وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن ؛ وهو قول مجاهد . ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة ) رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عز وجل ) فذكره ، فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع هذا واضح . وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به . وقد قال ابن عباس للذي سأل أن يصنع الصور : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا . والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " سبأ " إن شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ : " أإله مع الله " أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك . " بل هم قوم يعدلون " بالله غيره . وقيل : " يعدلون " عن الحق والقصد ؛ أي يكفرون . وقيل : " إله " مرفوع ب " مع " تقديره : أمع الله ويلكم إله . والوقف على " مع الله " حسن .