المضطر : ذو الحاجة المجهود ، أو الذي أصابه الضرّ .
يكشف السوء : يرفع عنه الظلم والضرّ .
خلفاء الأرض : الذين يرثون سكناها والتصرف فيها .
62- { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون }
من الذي يجيب المضطر الذي أحزبه أمر أو أحزنه مكروه ، أو اشتدت به الكرب ، أو كثرت به الظلم ، أو اعتدى عليه معتد ، أو ظلمه ظالم ، أو كثرت به الكوارث ، واكفهرت في وجهه الحياة ، من يجيب هذا البائس المشفق المكروه ، سوى الله الذي تكفل بإجابة دعوة المضطر سواء أكان مسلما أم كافرا ، مؤمنا أم مشركا ، حتى إذا عاد المشرك إلى شركه أمهله ولم يعاجله بالعقوبة ، قال تعالى : { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين*فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون } [ يونس : 22 ، 23 ] .
وقد فتح الله بابه للقاصدين وقال سبحانه : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }[ البقرة : 186 ] وقال سبحانه : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم . . } [ غافر : 60 } والالتجاء إلى الله فطرة في النفس خصوصا في الشدائد والمحن ، قال تعالى : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض . { فصلت : 51 ] .
وذكر ابن كثير في تفسيره : أن بعض الصالحين وقع في محنة ، وتعرض للقتل ظلما ، فاستأذن في صلاة ركعتين ، وقرأ الفاتحة وارتج عليه فلم يجد ما يقرؤه من القرآن ، فقال له الظالم : عجّل بالصلاة ، فألهمه الله : { أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون } وما إن أتم الصلاة حتى أقبل فارس بحربة توجه بها إلى فؤاد الظالم ؛ فأصابته وأردته قتيلا ؛ فوقف الرجل الصالح ، وقال للفارس : أسألك بالله ، من أنت ؟ فقال الفارس : أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه ، وكان الظالم قد استولى على فرس الرجل الصالح وأمتعته ؛ فأخذ الرجل الصالح فرسه ومتاعه وعاد إلى أهله سليما معافى .
أي : ويكشف الفقر أو المرض أو المحنة التي أحوجت المضطر إلى التضرع إلى الله تعالى ، فإن الله يرفع عنه ما نزل به من فقر أو مرض أو خوف أو غيره .
ورثة من قبلكم من الأمم في سكنى الأرض والديار ، ومن حكمة الله أن خلق الموت والحياة فإذا مات جيل حلّ مكانه جيل آخر ، ولو استمر توالد الناس بدون موت كبار السنّ ، أو موت أصحاب الحوادث والزلازل والبراكين وغير ذلك ؛ لضاقت الأرض بالناس ، واشتد الصراع ؛ لذلك دبر الله الحياة قرنا بعد قرن ، بالتوارث والخلافة ، حتى يخلف اللاحق السابق ، قال تعالى : { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات . . } [ الأنعام : 165 ] .
{ أإله مع الله قليل ما تذكرون } أيقدر على كل ما سبق إله غير الله المتفرد بهذه الأفعال ، لكنكم تذكرون الله كثيرا في الشدائد والمحن ، ولا تذكرونه إلا قليلا في الرخاء والنعم ، فما أقل تذكركم نعم الله عليكم .
الأولى- قوله تعالى : " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " قال ابن عباس : هو ذو الضرورة المجهود . وقال السدي : الذي لا حول له ولا قوة . وقال ذو النون : هو الذي قطع العلائق عما دون الله . وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري : هو المفلس . وقال سهل بن عبدالله : هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدمها . وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال : أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر ، قال : إذا فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه . قال الشاعر :
وإني لأدعو الله والأمر ضَيِّقٌ *** عليَّ فما ينفك أن يَتَفَرَّجَا
ورب أخ سُدَّتْ عليه وجُوهُهُ *** أصاب لها لما دعا الله مَخْرجَا
الثانية- وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر : ( اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ) .
الثالثة- ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه ، وأخبر بذلك عن نفسه ، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص ، وقطع القلب عما سواه ، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة ، وجد من مؤمن أو كافر ، طائع أو فاجر ؛ كما قال تعالى : " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين " [ يونس : 22 ] وقوله : " فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " [ العنكبوت : 65 ] فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم ، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم . وقال تعالى : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين " فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه . وفي الحديث : ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده ) ذكره صاحب الشهاب ، وهو حديث صحيح . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن ( واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب ) وفي كتاب الشهاب : ( اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ) وهو صحيح أيضا . وخرج الآجري من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر ) فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه ، وإجابة لإخلاصه وإن كان كافرا ، وكذلك إن كان فاجرا في دينه ، ففجور الفاجر وكفر الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده ، فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته . وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهر له ، أو اقتصاص منه ، أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل : " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " [ الأنعام : 129 ] وأكد سرعة إجابتها بقول : ( تحمل على الغمام ) ومعناه والله أعلم أن الله عز وجل يوكل ملائكته بتلقي دعوة المظلوم وبحملها على الغمام ، فيعرجوا بها إلى السماء ، والسماء قبلة الدعاء ليراها الملائكة كلهم ، فيظهر منه معاونة المظلوم ، وشفاعة منهم له في إجابة دعوته ، رحمة له . وفي هذا تحذير من الظلم جملة ، لما فيه من سخط الله ومعصيته ومخالفة أمره ، حيث قال على لسان نبيه في صحيح مسلم وغيره : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا . . . ) الحديث . فالمظلوم مضطر ، ويقرب منه المسافر ؛ لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم ، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته . فتصدق ضرورته إلى المولى ، فيخلص إليه في اللجاء ، وهو المجيب للمضطر إذا دعاه ، وكذلك دعوة الوالد على ولده ، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته ، إلا عند تكامل عجزه عنه ، وصدق ضرورته ، وإياسه عن بر ولده ، مع وجود أذيته ، فيسرع الحق إلى إجابته .
قوله تعالى : " ويكشف السوء " أي الضر . وقال الكلبي : الجور . " ويجعلكم خلفاء الأرض " أي سكانها يهلك قوما وينشئ آخرين . وفي كتاب النقاش : أي ويجعل أولادكم خلفا منكم . وقال الكلبي : خلفا من الكفار ينزلون أرضهم ، وطاعة الله بعد كفرهم . " أإله مع الله " على جهة التوبيخ ، كأنه قال أمع الله ويلكم إله ؛ ف " إله " مرفوع ب " مع " . ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار أإله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه . والوقف على " مع الله " حسن . " قليلا ما تتذكرون " قرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب : " يذَّكَّرون " بالياء على الخبر ، كقول : " بل أكثرهم لا يعلمون " [ الأنبياء :24 ] و " تعالى الله عما يشركون " فأخبر فيما قبلها وبعدها ؛ واختاره أبو حاتم . الباقون بالتاء خطابا لقوله : " ويجعلكم خلفاء الأرض " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.