تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بَلِ ٱدَّـٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ} (66)

65

المفردات :

ادارك : تتابع علمهم بها عن طريق الأدلة ، وقيل : معناه : اضمحل علمهم بالآخرة ، من التدارك : وهو التتابع في الفناء والاضمحلال .

في شك : في تردد من تحقق الآخرة نفسها .

عَمون : لا يدركون دلائلها مع وضوحها ، كأنهم فقدوا أبصارهم ، واحدهم : عمٍ ، وهو أعمى القلب والبصيرة .

التفسير :

66- { بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون }

{ بل ادارك علمهم في الآخرة . . }

تحتمل هذه الفقرة معنيين :

الأول : ضعف علمهم بالآخرة وذبل ، فأصبح باهتا ضعيفا لا أثر له في تحسين العمل والسعي الجميل في الدنيا ، من قولهم : [ تدارك بنو فلان ] إذا تتابعوا في الهلاك .

قال صاحب القاموس : { بل ادارك علمهم في الآخرة } جهلوا علمها ، ولا علم لهم بشيء من أمرها .

وقال ابن عباس : { بل ادارك علمهم في الآخرة } أي : غاب .

وقال قتادة : { بل ادارك علمهم في الآخرة } يعني : بجهلهم بربهم ، يقول : لم ينفذ لهم علم في الآخرة .

المعنى الثاني : أن التدارك هنا بمعنى التكامل واليقين ، أي : تكامل علمهم بشؤون الآخرة ، حين يعاينون ما أعد لهم فيها من العذاب ، قال تعالى : { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا } [ الكهف : 53 ]

لقد تيقنوا بحقيقة الآخرة ، وتكامل علمهم بها حين شاهدوها ورأوها رأى العين ، قال تعالى : { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين } [ مريم : 38 ]

{ بل هم في شك منها بل هم منها عمون }

وبل هنا للإضراب : أي : إنهم في الدنيا على علم باهت ، يقولون : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ، فهم في الدنيا في شك من مجيء الآخرة والحساب والجزاء .

{ بل هم منها عمون }

أي : عميت بصائرهم وأبصارهم عن توضيح حقائقها ووصف أحوالها ،

وقد حفل القرآن بذلك ، وعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوضيح أمر البعث والجزاء ، لكن بصيرتهم عمياء لا تهتدي إلى هذه الحقائق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلِ ٱدَّـٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ} (66)

قوله تعالى : " بل ادارك علمهم في الآخرة " هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي . وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد : " بل أدرك " من الإدراك . وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش{[12314]} : " بل ادَّرك " غير مهموز مشددا . وقرأ ابن محيصن : " بل أأدرك " على الاستفهام . وقرأ ابن عباس : " بلى " بإثبات الياء " أدَّارك " بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها ؛ قال النحاس : وإسناده إسناد صحيح ، هو من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس . وزعم هارون القارئ أن قراءة أُبي " بل تدارك علمهم " .

القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد ، لأن أصل " ادارك " تدارك ، أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل ، وفي معناه قولان : أحدهما أن المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة ؛ لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به . والقول الآخر أن المعنى : بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة ، فقالوا تكون وقالوا لا تكون . القراءة الثانية فيها أيضا قولان : أحدهما أن معناه كمل في الآخرة ، وهو مثل الأول ؛ قال مجاهد : معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم ؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين . والقول الآخر أنه على معنى الإنكار ، وهو مذهب أبي إسحاق ، واستدل على صحة هذا القول بأن بعده " بل هم منها عمون " أي لم يدرك علمهم علم الآخرة . وقيل : بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم . والقراءة الثالثة : " بل ادرك " فهي بمعنى " بل ادارك " وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى ؛ ولذلك صحح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا . القراءة الرابعة : ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار ؛ كما تقول : أأنا قاتلتك ؟ ! فيكون المعنى لم يدرك ؛ وعليه ترجع قراءة ابن عباس ؛ قال ابن عباس : " بلى أدارك علمهم في الآخرة " أي لم يدرك . قال الفراء : وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث ، كقولك لرجل تكذبه : بلى لعمري قد أدركت السلف فأنت تروي ما لا أروي وأنت تكذبه . وقراءة سابعة : " بلَ ادرك " بفتح اللام ، عدل إلى الفتحة لخفتها . وقد حكي نحو ذلك عن قطرب في " قم الليل " فإنه عدل إلى الفتح . وكذلك و " بع الثوب " ونحوه . وذكر الزمخشري في الكتاب : وقرئ " بل أأدرك " بهمزتين " بل آأدرك " بألف بينهما " بلى أأدرك " " أم تدارك " " أم أدرك " فهذه ثنتا عشرة قراءة ، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال : فإن قلت فما وجه قراءة " بل أأدرك " على الاستفهام ؟ قلت : هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم ، وكذلك من قرأ : أم أدرك " و " أم تدارك " لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة ، وأما من قرأ : " بلى أأدرك " على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون ، ثم أنكر علمهم بكونها ، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها ؛ لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن . " في الآخرة " في شأن الآخرة ومعناها . " بل هم في شك منها " أي في الدنيا . " بل هم منها عمون " أي بقلوبهم واحدهم عمو . وقيل : عم ، وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها .


[12314]:لم تذكر كتب التفسير الأخرى الأعمش في هذه القراءة. ولعل هذه رواية عنه غير الرواية المتقدمة.