تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} (100)

المفردات :

الجن : المراد بهم الشياطين ، أو ما يعمهم والملائكة .

وخرقوا : أي اختلقوا ، وافتروا .

التفسير :

100- وجعلوا لله شركاء الجن . . . الآية .

عدد الله سبحانه وتعالى فيما سبق عددا من أنعمه على عباده التي تقتضي الاعتراف له بالألوهية ، وتفرده سبحانه عن الشريك ، لأنه هو الذي يخلق وينعم وحده .

وجعلوا لله شركاء الجن .

أي جعلوا الجن شركاء لله فعبدوهم وعظموهم كما عبدوه تعالى وعظموه .

وفي المراد بالجن هنا أقوال :

الأول : الملائكة حيث عبدوهم وقالوا إنهم بنات الله وتسميتهم جنا مجازا لاستتارهم عن الأعين كالجن .

الثاني : أن المراد بالجن هنا الشياطين ، حيث أطاعوهم كما يطاع الله .

الثالث : أن المراد بالجن هنا إبليس فقد عبدوه قوم وسموه ربا ومنهم من سماه إله الشر والظلمة وخص الباري بأنه إله الخير والنور .

وقد تكون العبادة حقيقة وقد تكون مجازا قال تعالى :

ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . ( يس : 60 ، 61 ) .

وخلقهم .

أي اتخذوا له سبحانه شركاء ، وقد خلقهم وحده فلا يصح أن يعبد سواه .

وجملة وخلقهم . حال من فاعل جعلوا أي وجعلوا لله شركاء الجن والحال أنهم قد علموا أن الله وحده هو الذي خلقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق .

وخرقوا بنين وبنات بغير علم .

أي واختلقوا وافتروا لله سبحانه بنين وبنات بغير علم بحقيقة ما يقولون ، بل عن جهل خالص بالله وبعظمته ، إذ لا ينبغي ما دام إلها أن يكون له بنون وبنات أو صاحبة أو أن يشاركه أحد في خلقه ، فلا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما قام الدليل على صحته .

وفي هذا تنبيه على تنزيه الله تعالى عن افتراء المفترين حيث ادعى المشركون أن الملائكة بنات الله ، وادعى اليهود أن عزيرا ابن الله ، وادعت النصارى أن المسيح ابن الله .

سبحانه وتعالى عما يصفون .

سبحانه . أي تنزيها له وتقديسا .

وتعالى . أي تباعد وارتفع عن قولهم الباطل .

عما يصفون . عما يصفه به هؤلاء الضالون من الأنداد والأولاد والنظراء والشركاء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} (100)

قوله تعالى : " وجعلوا لله شركاء الجن " هذا ذكر نوع آخر من جهالاتهم ، أي فيهم من أعتقد لله شركاء من الجن . قال النحاس : " الجن " مفعول أول ، و " شركاء " مفعول ثان ، مثل " وجعلكم ملوكا{[6604]} " [ المائدة : 20 ] . " وجعلت له مالا ممدودا{[6605]} " [ المدثر : 12 ] . وهو في القرآن كثير . والتقدير وجعلوا لله الجن شركاء . ويجوز أن يكون " الجن " بد لا من شركاء ، والمفعول الثاني " لله " . وأجاز الكسائي رفع " الجن " بمعنى هم الجن . " وخلقكم " كذا قراءة الجماعة{[6606]} ، أي خلق الجاعلين له شركاء . وقيل : خلق الجن الشركاء . وقرأ ابن مسعود " وهو خلقهم " بزيادة هو . وقرأ يحيى بن يعمر " وخلقهم " بسكون اللام ، وقال : أي وجعلوا خلقهم لله شركاء ؛ لأنهم كانوا يخلقون الشيء ثم يعبدونه . والآية نزلت في مشركي العرب . ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أطاعوهم كطاعة الله عز وجل ، روي ذلك عن الحسن وغيره . قال قتادة والسدي : هم الذين قالوا الملائكة بنات الله . وقال الكلبي : نزلت في الزنادقة ، قالوا : إن الله وإبليس أخوان ، فالله خالق الناس والدواب ، وإبليس خالق الجان{[6607]} والسباع والعقارب . ويقرب من هذا قول المجوس ، فإنهم قالوا : للعالم صانعان : إله قديم ، والثاني شيطان حادث من فكرة الإله القديم ، وزعموا أن صانع الشر حادث . وكذا الحائطية من المعتزلة من أصحاب أحمد بن حائط ، زعموا أن للعالم صانعين : الإله القديم ، والآخر محدث ، خلقه الله عز وجل أولا ثم فوض إليه تدبير العالم ، وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة . تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . " وخرقوا " قراءة نافع بالتشديد على التكثير ؛ لأن المشركين ادعوا أن لله بنات وهم الملائكة ، وسموهم جنا لاجتنانهم . والنصارى ادعت المسيح ابن الله . واليهود قالت : عزير ابن الله ، فكثر ذلك من كفرهم{[6608]} ، فشدد الفعل لمطابقة المعنى . تعالى الله عما يقولون . وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل . وسئل الحسن البصري عن معنى " وخرقوا له " بالتشديد فقال : إنما هو " وخرقوا " بالتخفيف ، كلمة عربية ، كان الرجل إذا كذب في النادي قيل : خرقها ورب الكعبة . وقال أهل اللغة : معنى " خرقوا " اختلقوا وافتعلوا " وخرقوا " على التكثير . قال مجاهد وقتادة وابن زيد وابن جريج : " خرقوا " كذبوا . يقال : إن معنى خرق واخترق واختلق سواء ، أي أحدث :


[6604]:راجع ج 6 ص 123.
[6605]:راجع ج 19 ص 69.
[6606]:في ب و ج و ز و ك: الجمهور.
[6607]:في ب و ج و ز و ك: الحيات.
[6608]:في ج و ك: من فعلهم.