افترى : اختلق والفرية الكذبة .
غمرات : جمع غمرة ، وغمرة الشيء شدته و مزدحمه وغمرات الموت شدائده وسكراته .
عذاب الهون : أي الهوان يريد العذاب المتضمن لشدة وإهانة ، وإضافته إلى الهون لعراقته فيه .
93- ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا . . . الآية .
قال الإمام الشوكاني في فتح القدير :
أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شيء ، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء ، عليهم السلام ، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا ، فزعم أنه بني ، وليس بنبي ، أو كذب على الله في شيء من الأشياء .
أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء . أو ادعى نزول الوحي عليه ، ولم ينزل عليه شيء ، وقد صان الله أنبياءه عما تزعمون عليهم ، وإنما هذا شأن الكاذبين رؤوس الضلال ، كمسيلمة الكذاب ، والأسود العنسى وسجاح .
ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله . أي ولا أحد أظلم - أيضا – ممن قال بأني قادر على أن أنزل قرآنا مثل الذي أنزله الله ، كالذين حكى القرآن عنهم : وإذ تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين . . . ( الأنفال : 31 ) .
وهيهات أن يكون لأحد قدرة على الإتيان بمثل القرآن فليس في مقدور بشر أن يأتي بمثله قال تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . ( النساء : 82 ) . وقال سبحانه : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . ( الإسراء : 88 ) .
ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت . أي ولو ترى أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل حالة أولئك الظالمين وهم في غمرات الموت أي في شدائده وكرباته وسكراته لرأيت شيئا فظيعا هائلا ترتعد منه الأبدان ، فجواب الشرط محذوف .
والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم . أي والملائكة الموكولون بقبض أرواحهم باسطوا أيديهم إليهم بالإهانة والعذاب قائلين على سبيل التوبيخ والزجر : أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم وسلموها إلينا .
وقيل المعنى : أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها ، أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب .
وفي آية أخرى يقول الله تعالى : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم . ( الأنفال : 50 ) .
اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . أي تقول لهم الملائكة اليوم تجزون عذاب الذل والهوان بسبب أنكم كنتم في دنياكم تفترون على الله الكذب فتنكرون إنزال الله كتبه على رسله وبسبب ادعائكم أن لله شركاء ، وبسبب إعراضكم عن التأمل في آيات الله والتصديق بها . فكان ما جوزيتم به من عذاب الهون جزاءا وفاقا .
قوله تعالى : " ومن أظلم " ابتداء وخبر ، أي لا أحد أظلم . " ممن افترى على الله كذبا " أي اختلق . " أو قال أوحي إلي " فزعم أنه نبي " ولم يوح إليه شيء " نزلت في رحمان اليمامة والأسود العبسي وسجاح زوج مسيلمة ، كلهم تنبأ وزعم أن الله قد أوحى إليه . قال قتادة : بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيلمة ، وقال ابن عباس . قلت : ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن يقول : وقع في خاطري كذا ، أو أخبرني قلبي بكذا ، فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم ، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوها من الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، ويقولون : هذه الأحكام الشرعية العامة ، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة ، وأما الأولياء وأهل الخصوص ، فلا يحتاجون لتلك النصوص . وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون{[6563]} ؛ ويستدلون على هذا بالخضر ، وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم ، عما كان عند موسى من تلك الفهوم . وهذا القول زندقة وكفر ، يقتل قائله ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب ، فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم . وسيأتي لهذا المعنى في " الكهف{[6564]} " مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " " من " في موضع خفض ، أي ومن أظلم ممن قال سأنزل ، والمراد عبدالله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين . وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في " المؤمنون " : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين{[6565]} " [ المؤمنون :12 ] دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه ، فلما انتهى إلى قوله " ثم أنشأناه خلقا آخر " [ المؤمنون : 14 ] عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان فقال : " تبارك الله أحسن الخالقين " [ المؤمنون : 14 ] . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وهكذا أنزلت على ) فشك عبدالله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، فذلك قوله : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " رواه الكلبي عن ابن عباس . وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال : نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ارتد عن الإسلام ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبدالله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ، ففر عبدالله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمه عثمان ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال : ( نعم ) . فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ) . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلى يا رسول الله ؟ فقال : ( إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين ){[6566]} . قال أبو عمر : وأسلم عبدالله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه ، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك . وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش ، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين . وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين ، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين ، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم . وغزا الصواري{[6567]} من أرض الروم سنة أربع وثلاثين ، فلما رجع من وفاداته منعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط ، فمضى إلى عسقلان ، فأقام فيها حتى قتل عثمان رضي الله عنه . وقيل : بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة . ودعا ربه فقال : اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح ، فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات{[6568]} ، وفي الثانية بأم القرآن وسورة ، ثم سلم عن يمينه ، ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه . ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره . ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية رضي الله عنهما{[6569]} . وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية . وقيل : إنه توفي بإفريقية . والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين . وقيل : سنة ست وثلاثين . وروى حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث ؛ لأنه عارض القرآن فقال : والطاحنات طحنا . والعاجنات عجنا . فالخابزات خبزا . فاللاقمات لقما .
قوله تعالى : " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " أي شدائده وسكراته . والغمرة الشدة ، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها . ومنه غمره{[6570]} الماء . ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره . ومنه غمرات الحرب . قال الجوهري : والغمرة الشدة ، والجمع غمر مثل نوبة ونوب . قال القطامي يصف سفينة نوح عليه السلام :
وحَانَ لِتَالِكَ الغُمَرِ انحِسَارُ
وغمرات الموت شدائده . " والملائكة باسطو أيديهم " ابتداء وخبر . والأصل باسطون . قيل : بالعذاب ومطارق الحديد ؛ عن الحسن والضحاك . وقيل : لقبض أرواحهم ، وفي التنزيل : " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم{[6571]} " [ الأنفال : 50 ] فجمعت هذه الآية القولين . يقال : بسط إليه يده بالمكروه . " أخرجوا أنفسكم " أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم ، وهو توبيخ . وقيل : أخرجوها كرها ؛ لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه ، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه كذا جاء في حديث أبي هريرة وغيره . وقد أتينا عليه في كتاب " التذكرة " والحمد لله . وقيل : هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه : لأذيقنك العذاب ولأخر جن نفسك ؛ وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك الموت وأعوانه . وقيل : يقال هذا للكفار وهم في النار . والجواب محذوف لعظم الأمر ، أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذابا عظيما . والهون والهوان سواء . " تستكبرون " أي تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته .