تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ} (94)

المفردات :

فرادى : منفردين جمع فرد .

ما خولناكم : ما أعطيناكم .

وراء ظهوركم : في الدنيا .

تقطع بينكم : تشتت جمعكم .

ضل عنكم : ضاع وبطل .

التفسير :

94- ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة . . . الآية . من شأن القرآن أن ينقل المشاهد إلى ما يريد عرضه أمامه أنه واقع مشاهد .

فالآية السابقة عرضت مشهد الملائكة وهي تستخرج أرواح الظالمين .

وهذه الآية نقلت المشاهد إلى مشاهد القيامة وقد بعث الله الظالمين فرادى مجردين من أموالهم وسلطانهم وأهلهم وأولادهم .

ومضمون الآية :

ويقول الله للظالمين : ولقد جئتمونا للحساب والجزاء منعزلين ومنفردين عن الأموال والأولاد وعن كل ما جمعتموه في الدنيا من متاع . أو منفردين عن الأصنام والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم عند الله .

كما أوجدناكم – في أول حياتكم الأولى – بدون مال ولا متاع ولا ولد .

وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم . أي وتركتم ما أعطيناكم من النعم في الدنيا ، ولم تحملوا منها معكم شيئا .

وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء . أي ويقال لهم توبيخا وتقريعا على شركهم : وما نبصر معكم من زعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله تعالى من الأوثان والأصنام الذين توهمتم أنهم شركاء لله تعالى في الربوبية واستحقاق العبادة . منكم كما يستحقها الله تعالى – وقد حكى القرآن عن المشركين قولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . ( الزمر : 3 ) .

لكنهم لم يجدوا أثرا للأصنام ، ولا لشفاعتهم ولا لعبادتهم لهم .

لقد تقطع بينكم . أي انفصمت الروابط بينكم ، وتشتت جمعكم .

وضل عنكم ما كنتم تزعمون . أي ذهب وضاع عنكم ، ما كنتم تزعمون في الدنيا ، من أن الأصنام شفعاء لكم عند الله ، ومن أنه لا بعث ولا جزاء ولا حساب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ} (94)

قوله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى " هذه عبارة عن الحشر و " فرادى " في موضع نصب على الحال ، ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث . وقرأ أبو حيوة " فرادا " بالتنوين وهي لغة تميم ، ولا يقولون في موضع الرفع فراد . وحكى أحمد بن يحيى " فراد " بلا تنوين ، قال : مثل ثلاث ورباع . و " فرادى " جمع فردان كسكارى جمع سكران ، وكسالى جمع كسلان . وقيل : واحده " فرد " بجزم الراء ، و " فرد " بكسرها ، و " فرد " بفتحها ، و " فريد " . والمعنى : جئتمونا واحدا واحدا ، كل واحد منكم منفردا بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغي ، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله . وقرأ الأعرج{[6572]} " فردى " مثل سكرى وكسلى بغير ألف . " كما خلقناكم أول مرة " أي منفردين كما خلقتم . وقيل : عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلا بهما{[6573]} ليس معهم شيء . وقال العلماء : يحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد ، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه . وهذا معنى قوله : " غرلا " أي غير مختونين ، أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان .

قوله تعالى : " وتركتم ما خولناكم " أي أعطيناكم وملكناكم . والخول : ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم{[6574]} . " وراء ظهوركم " أي خلفكم . " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء " أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء يريد الأصنام أي شركائي . وكان المشركون يقولون : الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده . " لقد تقطع بينكم " قرأ نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف ، على معنى لقد تقطع وصلكم بينكم . ودل على حذف الوصل قوله " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم " . فدل هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم : إذ تبرؤوا منهم ولم يكونوا معهم . ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم ، فحسن إضمار الوصل بعد " تقطع " لدلالة الكلام عليه . وفي حرف ابن مسعود ما يدل على النصب فيه وهذا لا يجوز فيه إلا النصب ، لأنك ذكرت المتقطع وهو " ما " . كأنه قال : لقد تقطع الوصل بينكم . وقيل : المعنى لقد تقطع الأمر بينكم . والمعنى متقارب . وقرأ الباقون " بينكم " بالرفع على أنه اسم غير ظرف ، فأسند الفعل إليه فرفع . ويقوي جعل " بين " اسما من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى : " ومن بيننا وبينك حجاب " {[6575]} [ فصلت : 5 ] و " هذا فراق بيني وبينك{[6576]} " [ الكهف : 78 ] . ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع ، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا منصوبا وهو في موضع رفع ، وهو مذهب الأخفش ، فالقراءتان على هذا بمعنى واحد ، فاقرأ بأيهما شئت . " وضل عنكم " أي ذهب . " ما كنتم تزعمون " أي تكذبون به في الدنيا . روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث . وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " فقالت : يا رسول الله ، واسوءتاه ! إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض ) . وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم بمعناه .


[6572]:في ك: الأعمش. ولعل هذا سهو من الناسخ.
[6573]:الغرل (جمع الأغرل) وهو الأقلف الذي لم يختن. والبهم (جمع بهيم) وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه. يعني ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعور والعرج، وغير ذلك.
[6574]:في ك، ع، ب: الغنم.
[6575]:راجع 15 ص 339.
[6576]:راجع ج 11 ص 24.