تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (27)

المفردات :

لا تخونوا الله والرسول : لا تخونهما بتعطيل الفرائض والسنن ، أو بأن تظهروا غير ما تخفون .

وتخونوا أماناتكم : وتخونوا ما اؤتمنتم عليه من مال أو عرض أو سر ، أو عهد أو نصيحة .

وأنتم تعلمون : وأنتم تصدقون وتعلمون أنكم تخونون .

27 – { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول . . . } الآية .

والله ينهاكم أيها المؤمنون عن أن تخونوا الله ورسوله فتعطلوا أحكام دينه أو تقولوا بألسنتكم ما ليس في قلوبكم ، أو تظهروا غير ما تخفون ، وينهاكم عن أن تنقضوا العهود ، وتخونوا الأمانات التي اؤتمنتم عليها من أموال الناس وأعراضهم وأسرارهم ، وأنتم تعلمون أنكم مؤتمنون عليها ، فتعمدون إلى جحود الودائع أو انتهاك الأعراض أو إفشاء الأسرار ، وإخفاء المستندات ؛ إن ذلك إثم كبير ، ولقد كان أول هم للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أن هاجر أن يترك عليا وراءه ليرد الأمانات ويعيد الودائع ، وكانت عنده لأعدائه من المشركين ، وأبى أن يهاجر من مكة ، وفي ذمته لأحد من أعدائه وديعة .

أبو لبابة يصلب نفسه على سارية ؛ ليكفر عن خيانته :

حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة ، إحدى وعشرين ليلة ، فسألوه صلحا كصلح بني النضير ، وهو أن يتركهم يسيرون إلى إخوانهم بأذرعات وأريحاء من الشام ، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس ، وكان حليفهم ، وكان حكمه : أن تقتل المقاتلة وتقسم الأموال وتسبى الذرية والنساء ، فأبوا ذلك ، ثم طلبوا أن يرسل إليهم : أبا لبابة ، وكان مناصحا لهم ؛ لأن ماله وعياله كانا في أيديهم ، فبعثه إليهم ، فقالوا :

ما ترى ؟ هل تنزل على حكم سعد ؟ فقال : لا تفعلوا فإنه الذبح ، وأشار إلى حلقة فنزلت : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } . قال أبو لبابة : فما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسولهxxiv .

حزن أبو لبابة ، وقام فشد نفسه على سارية المسجد ، وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب الله عليّ ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه ، ثم تاب الله عليه ، فقيل له : قد تيب عليكم فحل نفسك ، فقال : لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاءة فحله بيده ، فقال : إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي ، فقال عليه السلام : يجزئك الثلث أن تتصدق به .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (27)

روي أنها نزلت في أبي لبابة بن عبدالمنذر حين أشار إلى بني قريظة بالذبح . قال أبو لبابة : والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله ، فنزلت هذه الآية . فلما نزلت شد نفسه إلى سارية من سواري المسجد ، وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب الله علي . الخبر مشهور{[7666]} . وعن عكرمة قال : لما كان شأن قريظة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس ، فلما انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق فقالت عائشة رضي الله عنها : فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل عليهما السلام ، فقلت : هذا دحية يا رسول الله ؟ فقال : " هذا جبريل عليه السلام " . قال : " يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فكيف لي بحصنهم " ؟ فقال جبريل : " فإني أدخل فرسي هذا عليهم " . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا معرورى{[7667]} ، فلما رآه علي رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، لا عليك ألا تأتيهم ، فإنهم يشتمونك . فقال : " كلا إنها ستكون تحية " . فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا إخوة القردة والخنازير ) فقالوا : يا أبا القاسم ، ما كنت فحاشا ! فقالوا : لا ننزل على حكم محمد ، ولكنا ننزل على حكم سعد بن معاذ ؛ فنزل . فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بذلك طرقني الملك سحرا " . فنزل فيهم " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون " . نزلت في أبي لبابة ، أشار إلى بني قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ ، لا تفعلوا فإنه الذبح ، وأشار إلى حلقه . وقيل : نزلت الآية في أنهم يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم فيلقونه إلى المشركين ويفشونه . وقيل : المعنى بغلول الغنائم . ونسبتها إلى الله ؛ لأنه هو{[7668]} الذي أمر بقسمتها . وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه المؤدي عن الله عز وجل والقيم بها . والخيانة : الغدر وإخفاء الشيء ، ومنه : " يعلم خائنة الأعين{[7669]} " [ غافر : 19 ] وكان عليه السلام يقول : ( اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة ) . خرجه النسائي عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فذكره . " وتخونوا أماناتكم " في موضع جزم ، نسقا على الأول . وقد يكون على الجواب ، كما يقال : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . والأمانات : الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد . وسميت أمانة لأنها يؤمن معها من منع الحق ، مأخوذة من الأمن . وقد تقدم في " النساء " القول في أداء الأمانات والودائع{[7670]} وغير ذلك . " وأنتم تعلمون " أي ما في الخيانة من القبح والعار . وقيل : تعلمون أنها أمانة .


[7666]:راجع ج 8 ص 242
[7667]:عريانا.
[7668]:من ج.
[7669]:راجع ج 15 ص 301 فما بعد
[7670]:راجع ج 5 ص 255.