تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (61)

{ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 61 ) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ( 62 ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ( 63 ) } .

المفردات :

أذن : يسمع كل ما يقال ويصدقه ، كأنه من فرط استماعه صار آلة للسماع .

التفسير :

تعرض هذه الآيات لونا آخر من ألوان إيذاء المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفهم إياه بالغفلة وعدم الحذر وتصديق كل ما يقال ، أي : ليس له ذكاء ولا تعمق في الأمور .

جاء في تفسير أبي السعود :

نزلت في فرقة من المنافقين قالوا في حقه صلى الله عليه وسلم ما لا ينبغي ؛ فقال بعضهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ذلك فيقع بنا ، فقال الجلاس بن سويد : نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ، ونحلف فيصدقنا بما نقول ؛ إنما محمد أذن سامعة105 .

وذكر القرطبي : أن الآية نزلت في عناب بن قشير قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له .

61 – { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ . . . الآية } .

أي : ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام فيه ويعيبونه فيقولون : هو أذن . يسمع كل ما يقال ويصدقه .

وجاء في تفسير أبي السعود :

{ ويقولون هو أذن } . أي : يسمع كل ما قيل من غير أن يتدبر فيه ، ويميز بين ما يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصدق له ، وبين ما لا يليق ، وإنما قالوه : لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ؛ ويصفح عنهم حلما وكرما ، فحملوه على سلامة القلب ، وقالوا ما قالوا .

{ قل أذن خير لكم } .

أي : قل لهم يا محمد : هو أذن كما تقولون يستمع لكم ؛ لكن نعم الأذن هو ؛ لكونه يسمع الخير ولا يسمع الشر .

أي : هو مستمع خير لما يجب استماعه .

كما يقال : فلان رجل صدق وشاهد عدل .

فهو صلى الله عليه وسلم يعرف الصادق من الكاذب ؛ لكنه يعامل المنافقين بأحكام الشريعة وآدابها ، فلا يفضح أحدا منهم ، وهو صاحب الخلق الكامل ، والإنسان المثالي .

{ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } .

أي : من مظاهر كونه صلى الله عليه وسلم أذن خير ، { أنه يؤمن بالله } ؛ إيمانا حقا لا يحوم حوله شيء من الرياء ، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السواء .

{ ويؤمن للمؤمنين } : أي يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع ؛ لأنهم أصحابه الذين أطاعوه واتبعوه ؛ فهم أهل التصديق والقبول .

من تفسير الفخر الرازي :

إن قيل : لماذا عدّى الإيمان على الله بالباء ، وإلى المؤمنين باللام فقال : { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } .

قلنا : لأن الإيمان المعدّى إلى الله : المراد منه : التصديق الذي هو نقيض الكفر فعدّى بالباء .

والإيمان المعدى إلى المؤمنين : المراد منه : الاستماع منهم ، والتسليم لقولهم فعدّى باللام .

كما في قوله : { وما أنت بمؤمن لنا } . أي : بمصدق بنا ، وقوله : { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } . وقوله : { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } . اه .

{ ورحمة للذين آمنوا منكم } . أي : وهو صلى الله عليه وسلم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم ، إذ قبله لا تصديقا لهم ، بل رفقا بهم ، فلم يهتك لهم سترا ، ولم يكشف لهم سرا ، بل أحسن إليهم ؛ وتجاوز عن سيئاتهم ؛ رجاء أن يتوبوا من نفاقهم ، ويخلصوا الإيمان لربهم .

{ والذين يؤذون رسول الله } . صلى الله عليه وسلم بتهوين شأنه ، والانتقاص من قدرة { لهم عذاب أليم } . في دنياهم وآخرتهم .

ما يؤخذ من الآية

1 – دلت الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق الكامل ، والفهم الشامل ، والذكاء الخارق ؛ فسكوته عن المنافقين ليس عن غباء أو اعتزاز ، وإنما عن حكمة وبصيرة ؛ فقد كان يقبل ظواهرهم ، ويترك بواطنهم إلى الله ؛ رجاء هدايتهم .

2 – وصفت الآية الرسول بأوصاف ثلاثة :

فهو يؤمن بالله ، ويؤمن للمؤمنين ، ورحمة لمن آمن ؛ وهذه الأوصاف توجب كونه أذن خير .

3 – إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق برسالته كفر ؛ يترتب عليه العقاب الشديد . مثل : التهوين من أمره ، أو اتهامه بالغفلة . وتصديق كل ما يقال ؛ فقد اختاره الله ، وأدبه وميزه بالخلق العظيم . { الله أعلم حيث يجعل رسالته } . ( الأنعام : 124 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (61)

بين تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في أذية النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا فيقبله ، فإنه أذن سامعة . قال الجوهري : يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد ، يستوي فيه الواحد والجمع . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : " هو أذن " قال : مستمع وقابل . وهذه الآية نزلت في عتاب بن قشير ، قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له . وقيل : هو نبتل بن الحارث ، قال ابن إسحاق . وكان نبتل رجلا جسيما ثائر شعر الرأس واللحية ، آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث ) . السفعة بالضم : سواد مشرب بحمرة . والرجل أسفع ، عند الجوهري . وقرئ " أذن " بضم الذال وسكونها . " قل أذن خير لكم " أي هو أذن خير لا أذن شر ، أي يسمع الخير ولا يسمع الشر . وقرأ " قل أذن خير لكم " بالرفع والتنوين ، الحسن وعاصم في رواية أبي بكر . والباقون بالإضافة ، وقرأ حمزة " ورحمة " بالخفض . والباقون بالرفع عطف على " أذن " ، والتقدير : قل هو أذن خير وهو رحمة ، أي هو مستمع خير لا مستمع شر ، أي هو مستمع ما يحب{[8122]} استماعه ، وهو رحمة . ومن خفض فعلى العطف على " خير " . قال النحاس : وهذا عند أهل العربية بعيد ، لأنه قد تباعد ما بين الاسمين ، وهذا يقبح في المخفوض . المهدوي : ومن جر الرحمة فعلى العطف على " خير " والمعنى مستمع خير ومستمع رحمة ؛ لأن الرحمة من الخير . ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين ، لأن المعنى يصدق بالله ويصدق المؤمنين ، فاللام زائدة في قول الكوفيين . ومثله " لربهم يرهبون{[8123]} " [ الأعراف : 154 ] أي يرهبون ربهم . وقال أبو علي : كقوله " ردف لكم{[8124]} " [ النمل : 72 ] وهي عند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل ، التقدير : إيمانه للمؤمنين ، أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار . أو يكون محمولا على المعنى ، فإن معنى يؤمن يصدق ، فعدي باللام كما عدي في قوله تعالى : " مصدقا لما بين يديه{[8125]} " [ المائدة : 46 ] .


[8122]:في ب و هـ : يجب.
[8123]:راجع ج 7 ص 292.
[8124]:راجع ج 13 ص 230.
[8125]:راجع ج 2 ص 36.