خشية الإنفاق : أي : خوف الفقر .
قتورا : أي : مقترا بخيلا ، يقال : قتر عليه ، يقتر ، قترا ، وقتر أي : ضيق عليه .
100- { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } .
المراد من الإنفاق هنا : الفقر ، يقال : أنفق فلان إذا افتقر ، وقال أبو عبيدة : أنق ، وأملق ، وأعدم ، وأصرم ، بمعنى : أي : قل لهم أيها الرسول : إنكم لو تملكون التصرف في خزائن الله ؛ لأمسكتم خشية الفقر : أي : خشية أن تزول وتذهب مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا .
{ وكان الإنسان قتورا } . أي بخيلا شحيحا ، والقتر ، والإقتار ، والتقتير : هو التقصير في الإنفاق .
وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الناس ممن هو كريم جواد ؛ لأن اللام في الإنسان للجنس أي : هذا الجنس من شأنه الشح ، إذا كان باقيا على طبعه ؛ لأنه خلق محتاجا إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح ، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال ، فبه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون ، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة ، ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية ، فإذا الأصل في الإنسان هو البخل . والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي ؛ طلبا للثناء أو الثواب . وقيل : المراد بهذا ، الإنسان المعهود السابق ، ممن قالوا : لن نؤمن لك ؛ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . . . فبيّن الله تعالى : أنهم لو ملكوا خزائن الأرض ؛ لبخلوا بها{[497]} .
إن الله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا . إذا مسّه الشرّ جزوعا . وإذا مسّه الخير منوعا . إلا المصلّين } ( المعراج : 22 ، 19 ) .
وشبيه بهذه الآيات قوله سبحانه :
{ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } . ( النساء : 53 ) .
أي : لو أن لهم نصيبا في ملك الله ؛ لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير ، وقد جاء في الصحيحين : ( يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ){[498]} .
وجاء في تفسير الخطيب ما يأتي :
فإن قيل : قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم ؛ أجيب من وجوه :
الأول : أن الأصل في الإنسان البخل ؛ لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد وأن يحبس ما به يدفع الحاجة ، وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجوز به لأسباب من الخارج ، فثبت أن الأصل في الإنسان البخل .
الثاني : أن الإنسان إنما يبذل ؛ لطلب الثناء والحمد ، وليخرج من عهدة الواجب ، فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل .
الثالث : أن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ، وهم الذين قالوا : { لن نؤمن لك حتى تفجر من الأرض ينبوعا }{[499]} .
ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يجابه هؤلاء الظالمين بما جبلوا عليه من بخل وشح ، بعد أن طلبوا منه ما طلبوا من مقترحات متعنتة ، فقال - تعالى - : { قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق وَكَانَ الإنسان قَتُوراً }
والمراد بخزائن رحمة ربى : أرزاقه التى وزعها على عباده ، ونعمه التى أنعم بها عليهم .
و { قتورًا } من التقتير بمعنى البخل . يقال : قتر فلان يقتر - بضم التاء وكسرها - إذا بالغ فى الإِمساك والشح .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك ، وطالبوك بما ليس فى وسعك من تفجير الأرض بالأنهار ، ومن غير ذلك من مقترحاتهم الفاسدة ، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت : لو أنكم تملكون - أيها الناس - التصرف فى خزائن الأرزاق التى وزعها الله على خلقه ، إذًا لبخلتم وأمسكتم فى توزيعها عليهم ، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم فى العطاء ، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدًا ، ولكن لأن البخل من طبيعتكم فعلتم ذلك .
قال بعضهم : قوله : { لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ } فيه وجهان : أحدهما : أن المسألة من باب الاشتغال . فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر ، لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرا . فهى كإن فى قوله - تعالى - : { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ } والأصل : لو تملكون ، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه - والثانى : أنه مرفوع بكان ، وقد كثر حذفها بعد لو ، والتقدير : لو كنتم تملكون . . . .
والمقصود بالإِمساك هنا : إمساكهم عن العطاء فى الدنيا ، وهذا لا ينافى قوله - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ . . . } لأن ذلك حكاية عن أحوالهم فى الآخرة عندما يرون العذاب ، ويتمنون أن يفتدوا أنفسهم منه بأى شئ .
وقوله { إذًا } ظرف لتملكون . وقوله { لأمسكتم } جواب لو ، وقوله { خشية الإِنفاق } علة للإِمساك والبخل .
وقوله : { وَكَانَ الإنسان قَتُوراً } أى : مبالغًا فى البخل والإِمساك .
قال الإِمام ابن كثير : والله - تعالى - يصف الإِنسان من حيث هو ، إلا من وفقه الله وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال - تعالى - :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.