{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير }
من دون المؤمنين : متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين .
فليس من الله في شيء : فليس من دين الله في شيء .
إلا ان تتقوا منهم تقاة : إلا لتقوا أنفسكم وتحفظوا مما يتقي ويحذر منهم .
روى عن ابن عباس قال : كان الحجاج بن عمرو وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد والكل من اليهود يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله ابن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر :
اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبي أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله هذه الآية .
28- { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنون . . } .
تقرر الآية أن موالاة الكافر خطر على من والاه وإنها لا تكون إلا عند الضرورة لاتقاء ضرر يكون من ناحية على أن لا تبلغ الموالاة بالدرجة المباطنة بخفايا المؤمنون .
و الموالاة تطلق لغة على الحب والصداقة والمباطنة بالأسرار وتطلق على النصرة وكلا المعنيين تصح إرادته ولهذا لا يحل للمؤمنين أن يوالوا الكافرين بأي معنى من معاني الموالاة ومن يفعل ذلك فليس من دين الله تعالى في شيء وقد يذكر ذلك صريحا في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ( المائدة 51 ) .
و قد تكرر النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين في عديد من آي القرآن لخطورتها على كيانهم فهم دائما يتربصون بهم الدوائر ويبغونهم الفتنة وفي المسلمين سماعون لهم وهم المنافقون وضعاف النفوس .
قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق . . . ( الممتحنة 1 ) .
و قال عز شأنه : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } ( النساء 144 ) .
فعلى المؤمنون ان يحرزوا حتى يأمنوا شرهم عليهم ان يقصروا موالاتهم على المؤمنين لا يتجاوزونهم إلى الكافرين لغرض من الأغراض إلا أن يتقوا أنفسهم من ضرر من شأنه أن يتقي ويحذر فإذا اضطر المسلمون لموالاتهم دفاعا عن الوطن او المال أو العرض فلهم ذلك في حدود الضرورة .
و أجاز المحققون من العلماء الاستعانة بالكفار بشرط الحاجة والوثوق . . أما بدونها فلا تجوز .
و استدل بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم ( 153 ) واستعان بصفوان بن أمية في هوازن .
على أن بعضهم ذكر أن الاستعانة المنهي عنها هي استعانة الذليل بالعزيز أما غيرها فلا .
و اعلم أن الموالاة التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار لا تجوز فإن قيل : قد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة وفي ذلك من الخلطة والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف فجواب ذلك أن المراد موالاتهم في الدين و فيما فيه تعظيم لهم .
فإن قيل في سبب نزول الآية : ان النبي صلى الله عليه وسلم منع عبادة ابن الصامت من الاستعانة باليهود على قريش ( 154 ) وقد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش وفي هذا دلالة على جواز الاستعانة بهم .
و قد ذكر الراضي أنه يجوز الاستعانة بالفساق على حرب المبطلين قال : وقد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش وغيرها إلى أن نقضوه يوم الأحزاب وحد صلى الله عليه الحلف بينه وبين خزاعة قال الراضي بالله وهو الظاهر عن آبائنا عليهم السلام وقد استعان على عليه السلام بقتلة عثمان ولعل الجواب والله أعلم أن الاستعانة جائزة مع الحاجة أو خشية مضرة منهم وعليه يحمل حديث عبادة بن الصامت .
{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } .
{ من دون المؤمنين } حال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا أو اشتراكا وفيه إشارة إلى إنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة .
{ و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي ومن يوالي الكفرة فليس من ولاية الله في شيء تقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسا وهذا أمر معقول فإن موالاة الوالي وموالاة عدوه متنافيان ( 155 ) .
{ إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي تخافوا منهم محذورا فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه ، روى البخاري في كتاب الأدب باب المداراة مع الناس عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال " إنا لنكشر ( 156 ) في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم " . ( 157 ) .
{ و يحذركم الله نفسه } أي ذاته المقدسة فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفته أحكامه وموالاته أعدائه وتهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح وإضافة تحذيرهم إلى نفسه وإلى ذاته العلية إيذان ببلوغ المنهي عنه منتهى الخطورة .
{ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ }
وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين ، وتوعد على ذلك فقال : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي : فقد انقطع عن الله ، وليس له في دين الله نصيب ، لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان ، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه ، قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين ، وصار من حزب الكافرين ، قال تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم ، والميل إليهم والركون إليهم ، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين ، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين . قال الله تعالى : { إلا أن تتقوا منهم تقاة }{[155]} أي : تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية . ثم قال تعالى : { ويحذركم الله نفسه } أي : فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك { وإلى الله المصير } أي : مرجع العباد ليوم التناد ، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم ، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة ، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.