تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (50)

50- { ومصدقا لما بين يدي من التوراة واحل لكم بعض الذي حرم عليكم }

التفسير :

وأرسلت إليكم مصدقا لشريعة التوراة التي أنزلت على موسى ولأبيح لكم بأمر من الله بعض ما حرم عليكم من قبل وقد جئتكم بآية من الله على صدق رسالتي فاتقوا الله وأطيعوني .

( والآية تكشف عن طبيعة المسيحية الحقة فالتوراة التي تنزلت على موسى عليه السلام وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حجة ذلك الزمان وملابسات حياة بني إسرائيل ( بما أنها ديانة خاصة لمجموعة من البشر في فترة من الزمان ) هذه التوراة معتمدة في رسالة المسيح عليه السلام وجاءت رسالته مصدقة لها مع تعديلات تتعلق بإحلال ما حرم الله عليهم وكان تحريمه في صورة عقوبات حلت بهم على معاصي وانحرافات وأدبهم الله عليها بتحريم بعض ما كان حلالا لهم ثم شاءت إرادته أن يرحمهم بالمسيح عليه السلام فيحل لهم بعض الذي حرم عليهم .

ومن هذا يتبين ان طبيعة الدين - أي دين - يتضمن تنظيما لحياة الناس بالتشريع وألا يقتصر على الجانب التهذيبي الأخلاقي وحده ولا على المشاعر الوجدانية وحدها ولا على الشعائر والعبادات وحدها كذلك فهذا لا يكون دينا فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر نظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله ولا يمكن ان ينفك عنصر العقيدة الإيمانية عن الشعائر التعبدية وعن القيم الأخلاقية وعن الشرائع التنظيمية في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراد الله .

( وهذا ما حدث للمسيحية فقد انتهت المسيحية إلى ان تكون نحلة بغير شريعة وعجزت المسيحية ان تكون نظاما شاملا للحياة البشرية واضطر أهلها إلى الفصل بين القيم الروحية والقيم العملية في حياتهم كلها ومن بينها النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الحياة فالمسيحية كما جاء بها السيد المسيح هي الشريعة المنظمة للحياة المنبثق من التصور الاعتقادي في الله وهي تصدق بالتوراة وتؤيدها ولكن العداء بين اليهودية والمسيحية جعل كل فريق يرفض ما عند الفريق الآخر ) ( 169 ) .

قال تعالى : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما اتبعوا فبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض } . ( البقرة 145 ) .

قال تعالى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما انت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض } ( البقرة : 145 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (50)

{ ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي : أتيت بجنس ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام ، وعلامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين ، يخبر بالصدق ، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض ، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة ، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة ، فالكاذب فيها لابد أن يظهر لكل أحد كذب صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار الصادقين وموافقته لأخبار الكاذبين ، هذا موجب السنن الماضية والحكمة الإلهية والرحمة الربانية بعباده ، إذ لا يشتبه الصادق بالكاذب في دعوى النبوة أبدا ، بخلاف بعض الأمور الجزئية ، فإنه قد يشتبه فيها الصادق بالكاذب ، وأما النبوة فإنه يترتب عليها هداية الخلق أو ضلالهم وسعادتهم وشقاؤهم ، ومعلوم أن الصادق فيها من أكمل الخلق ، والكاذب فيها من أخس الخلق وأكذبهم وأظلمهم ، فحكمة الله ورحمته بعباده أن يكون بينهما من الفروق ما يتبين لكل من له عقل ، ثم أخبر عيسى عليه السلام أن شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا { وجئتكم بآية من ربكم } تدل على صدقي ووجوب اتباعي ، وهي ما تقدم من الآيات ، والمقصود من ذلك كله قوله { فاتقوا الله } بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله .