لأنذركم به : الإنذار إخبار فيه تخويف بخلاف التبشير فإنه إخبار فيه سرور .
ومن بلغ : معطوف على ضمير المخاطبين ، أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر .
19- قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . . . الآية .
أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعوا إليه : أي شيء في هذا الوجود شهادته أكبر شهادة ، وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان ؟
ثم أمره أن يجيب على هذا السؤال ، بأن شهادة الله هي أكبر شهادة وأقواها وأزكاها ، لأنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ .
إنه الله رب العالمين ، هو الشهيد بيني وبينكم .
وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . لقد أنزل الله الوحي بهذا القرآن لأجل أن أنذركم به .
( وأنذر من بلغ إليه من الناس جميعا . . . بجميع شعوبهم . وأصنافهم ، من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلية ، فأحكام القرآن شاملة للبشر والجن جميعا ممن كان منهم موجودا يوم الرسالة أو يوجد بعدها إذا بلغتهم دعوة الإسلام وسمعوا بهذا القرآن ، وهو نذير لهم بأنهم مسؤولون عن استجابتهم لدعوة الله وعن أعمالهم في الدنيا عند لقاء الله ) ( 69 ) .
قل لا أشهد . فأنا لا أشهد معكم بأن مع الله آلهة أخرى لكون هذه الشهادة من أبطل الباطل .
قل إنما هو إله واحد . أي أشهد بوحدانية الله وأتبرؤ من الأوثان وعابديها ، و لا أقدم ولائي ولا يقيني ولا ثقتي ولا رجائي إلا لهذا الإله الواحد الاحد الفرد الصمد .
وإنني بريء مما تشركون . أي من الأصنام التي تجعلونها آلهة أو من إشراككم بالله وقد أشارت الآية إلى ما يأتي :
1- وجوب تبليغ رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفي الصحيح ( بلغوا عنى ولو آية ) الحديث .
2- شهادة الله لرسوله تتجلى فيما يأتي :
( أ ) قوله : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) .
( ب ) شهادة كتب الله السابقة به ، وبشارة الرسل السابقين به .
( ج ) تأييد الرسول بالآيات الكثيرة التي من أعظمها القرآن فهو المعجزة الخالدة الدائمة .
3- شهادة الرسول لله بالوحدانية ، وتتجلى في هذه الآية الكريمة .
أي أن الآية مشتملة على شهادة الله لرسوله بالرسالة وشهادة الرسول لله تعالى بالوحدانية والألوهية وأن الرسول بريء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين .
ثم أمر الله : نبيه صلى الله عليه وسلم : فى بيان رائع حكيم ، أن يسأل المشركين عن أى شىء فى هذا الكون أعظم وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ولا ترد فقال - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .
روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا : يا محمد ، أرنا من يشهد أنك رسول الله ، فإنا لا نرى أحدا نصدقه ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ، فأنزل الله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .
أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه : أى شىء فى هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان ؟ ثم أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التى لا يمارى فيها عاقل وهى أن شهادة الله هى أكبر شهادة وأقواها وأزكاها ، لأنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ ، وقد شهد - سبحانه - : بصدقى فيما أبلغه عنه فلماذا تعرضون عن دعوتى ، وتتنكبون الطريق المستقيم ؟
وصدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة الاستفهام تنبيهاً إلى جلال الشاهد ، وإلى سلامة دعوى النبى صلى الله عليه وسلم لكى يدركوا ما فيها من حق وما هم فيه من ضلال .
وأوثرت كلمة " شىء " فى قوله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً } لأنها تفيد الشمول والإحاطة والاستقصاء .
قال صاحب الكشاف : ما ملخصه قوله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أراد : أى شهيد أكبر شهادة ، فوضع شيئاً مقام شهيد ليبالغ فى التعميم ، ويحتمل أن يكون تمام الجواب عنه قوله : { قُلِ الله } بمعنى : الله أكبر شهادة ، ثم ابتدأ . { شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أى : هو شهيد بينى وبينكم . وأن يكون { الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } هو الجواب ، لدلالته على أن الله - تعالى - : { إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شىء شهادة من هو شهيد له ) .
والمراد بشهادة الله ما جاء فى آياته القرآنية من أنه - سبحانه - : قد أرسل رسوله محمدا { بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } ثم بين - سبحانه - : أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ } .
أى : أن الله - تعالى - : قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق ، لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به - أيضاً - جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم فى كل زمان ومكان إلى يوم القيامة .
فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبى صلى الله عليه وسلم كما تدل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ، وتعم - أيضاً - الذين وجدوا بعد نزوله وبلغتهم دعوته . ولم يروا النبى صلى الله عليه وسلم ففى الحديث الشريف :
" بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله " .
وعن محمد بن كعب قال : " من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى صلى اله عليه وسلم وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه ، كان من بلغه فعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم : كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط ، لأنه هو الذى بلغه بلا زيادة ولا نقصان ، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة ، وحينئذ لا يكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين ، وإثمه يكون فى أعناق الذين قصروا فى تبليغ دعوة الإسلام إليه .
ثم أمره - سبحانه - أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد ، وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال - تعالى - : { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أخرى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } .
أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم . وترديتم فى مهاوى الشرك والضلال ، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى ، فإنى برىء منكم ومن أعمالكم القبيحة ، ومحال أن أشهد بما شهدتم به ، وإنما الذى أشهد به وأعتقده ، أن الله - تعالى - واحد لا شريك له ، وإننى بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم .
والاستفهام فى قوله { أَئِنَّكُمْ } إنكارى ، جىء به لاستقباح ما وقع منهم من شرك ، وأكد قوله { لَتَشْهَدُونَ } للإشارة إلى تغلغل الضلال فى نفوسهم ، واستيلاء الجحود على قلوبهم .
وعبر عن أوثانهم بأنها { آلِهَةً أخرى } مجاراة لهم فى زعمهم الباطل ومبالغة فى توبيخهم والتهكم بهم .
وفى أمره - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصارحهم بأنه لا يشهد بشهادتهم " قل : لا أشهد " توبيخ لهم على جهالتهم ، وتوجيه لأتباعه إلى الافتداء به فى شجاعته أمام الباطل ، وفى ثباته على مبدئه .
وقد تضمن قوله - تعالى - : { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } اعتراف كامل بوحدانية الله ، وقصرها عليه - سبحانه - ، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان وعابديها ، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله - تعالى - بأن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم صادق فى رسالته ، وشهادة من هذا الرسول الكريم بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه برىء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين .
قوله : { قل أي شيء أكبر شهدة } قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك يا محمد بأنك رسول الله ، فنزلت الآية . وأي مبتدأ ، وخبره ، أكبر . وشهادة تمييز . وإذا كانت { أي } استفهامية فقد لزم أن تكون مسمى باسم ما أضيفت إليه ، فوجب بذلك أن يسمى الله تعالى { شيء } {[1133]} وتأويل الآية هو : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون أنك نبي : أي الأشياء أعظم شهادة ؟ ثم أخبرهم بأن أعظم الأشياء شهادة هو الله وحده فهو العليم بالمحق منا من المبطل ، وبالرشيد من السفيه ، وبالمهتدي من الضال المتخبط . وهو شهيد بيني وبينكم على أنني نبي مبعوث من عنده سبحانه وأنني قد أبلغتكم رسالة ربي وصدقت فيما قلته لكم .
قوله : { وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ } أوحي مبني للمجهول . القرآن نائب فاعل مرفوع . من اسم موصول في محل نصب معطوف على المنصوب في { لأنذركم } أي قل لهؤلاء المشركين أن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به عقابه وكذلك أنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم ، فإن لم تهتدوا أنتم وهم بهديه وتتخذوه شرعة لكم ومنهاجا فلسوف يحل عليكم سخط الله ومقته ونقمته .
قوله : { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } الهمزة الأولى في قوله { أئنكم } للاستفهام . وهو استفهام تقريع وتوبيخ . أي قل لهؤلاء المشركين الذين يعدلون بالله ربا سواه من الآلهة المصطنعة والأنداد المختلقين : أئنكم أيها المشركون الجاحدون تشهدون أن مع الله معبودا غيره من الأوثان والأصنام . وقال : { أخرى } ولم يقل أخر . لأن الألهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث .
قوله : { قل لا أشهد } أي قل لهم : لا أشهد بما تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بل إني أجحد ذلك وأنكره .
قوله : { قل إنما هو إله واحد } اتصلت ما بإن فكفتها عن العمل . هو في محل رفع مبتدأ . إله خبره . واحد ، صفة للخبر . أي إنما هو معبود واحد لا شريك له . وليس من شيء في الكائنات إلا هو مستسلم لجلاله ووجل من سلطانه وجبروته . ومخبت لعزه وعظمته .
قوله : { وإني برئ مما تشركون } أي أبرأ من كل شريك تعبدونه مع الله وتصطنعون له الإلهية المختلقة فإني أربأ بنفسي من مثل ما تختلقون من الأنداد فإني لا أعبد شيئا من ذلك . إنما أعبد الله الذي خلق كل شيء{[1134]} .