العقاب : في أصل اللغة : المجازاة على أذى سابق ، ثم استعمل في مطلق العقاب .
{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } .
تحدث المفسرون كما تحدثت كتب علوم القرآن ، عن أسباب نزول هذه الآية وما بعدها إلى آخر سورة النحل ، فذكر جمع من المفسرين : أن هذه الآيات نزلت في أعقاب غزوة أحد .
روى الحافظ البزار عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد ، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه ، وقد مثل المشركون به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد كنت وصولا للرحم ، فعولا للخيرات ، والله لولا حزن من بعدك عليك ؛ لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع ، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك ) فنزلت هذه الآية ، فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه74 .
إن هذا الإسناد السابق فيه ضعف ؛ لأن أحد رواته وهو( صالح بن بشر المرّى ) ضعيف عن الأئمة ، وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه عن أبي كعب ، قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كان لنا يوم مثل هذا اليوم من المشركين لنمثلن بهم ، فلما كان يوم الفتح ، قال رجل : لا تعرف قريش بعد اليوم ، فنادى مناد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أمن الأبيض والأسود ، إلا فلانا وفلانا ( ناسا سماهم ) ، فنزلت الآيات الثلاث الأخيرة من سورة النحل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصبر ولا نعاقب . 75 .
وقد ذكر بعض العلماء : أن هذه الآيات الثلاث الأخيرة من سورة النحل ، تكرر نزولها ، فنزلت يوم أحد ونزلت عند فتح مكة ، والحكمة في تكرير نزولها ؛ شدة الحاجة إلى العمل بمعانيها ، عند الرغبة في التشفي ، ودعوة القرآن إلى الصبر .
وعند التأمل نجد أن الآيات دعوة إلهية إلى الصبر والاحتمال ، وهي دستور مفيد للإنسان وللجماعات والأمم ، وسواء كان نزولها في غزوة أحد ، أو عند فتح مكة ، أو عند حياة المسلمين بمكة قبل الهجرة ، فإن معانيها عامة ، وأوامرها وآدابها مطلوبة للحياة والأفراد .
وفي معنى قوله تعالى : { وإن عاقبتم . . . } الآية . يقول سبحانه وتعالى : { وجزاء سيئةٍ سيئةُ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله } . ( الشورى : 40 ) .
أي : إن من حق الإنسان أن يعاقب على الإساءة إليه ، بالقصاص أو بالعقوبة المناسبة ، فإذا عفي وأصلح ؛ فإنه ينال جزاءه عند الله في الحياة الآخرة .
وكذلك معنى الآية يفيد : أنه يحق للإنسان أن يعاقب المعتدي بمثل عقوبته ، وله أن يعفو ويصفح ، وهذا خير وأفضل ، وفي الحديث النبوي الشريف :
( ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال عبد من صدقة ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا فاعفوا يعزكم الله )76 .
وقال الشيخ أحمد المراغي في تفسير المراغي :
والخلاصة : أنكم إن رغبتم في القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ؛ فإن الزيادة ظلم ، والظلم لا يحبه الله ولا يرضى به ، وإن تجاوزتم عن العقوبة وصفحتم ؛ فذلك خير وأبقى ، والله هو الذي يتولى عقاب الظالم ويناصر المظلوم .
وبعد أن بين - سبحانه - أنجع أساليب الدعوة إلى سبيله فى حالة المسالمة والمجادلة بالحجة والبرهان ، أتبع ذلك ببيان ما ينبغي على المسلم أن يفعله فى حالة الاعتداء عليه أو على دعوته فقال - تعالى - : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ . . . } . أي : وإن أردتم معاقبة من ظلمكم واعتدى عليك ، فعاقبوه بمثل ما فعله بكم ، ولا تزيدوا على ذلك ، فإن الزيادة حيف يبغضه الله - تعالى - .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ما هو أسمى من مقابلة الشر بمثله فقال : { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } .
والضمير في قوله : { لهو } ، يعود إلى المصدر في قوله : { صبرتم } ، والمصدر إما أن يراد به الجنس فيكون المعنى : ولئن صبرتم فالصبر خير للصابرين ، وأنتم منهم .
وإما أن يراد به صبرهم الخاص فيكون المعنى : ولئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل ، لصبركم خير لكم ، فوضع - سبحانه - الصابرين موضع لكم على سبيل المدح لهم ، والثناء عليهم بصفة الصبر .
هذا ، وقد ذكر جمع من المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت في أعقاب غزوة أحد ، بعد أن مثل المشركون بحمزة - رضي الله عنه - .
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : " روى الحافظ البزار عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد . فنظر الى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه .
وقد مثل المشركون به . فقال صلى الله عليه وسلم : رحمة الله عليك ، لقد كنت وصولا للرحم ، فعولا للخيرات . والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع . أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك . فنزلت هذه الآية . فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه " .
ثم قال ابن كثير بعد روايته لهذا الحديث : وهذا إسناد فيه ضعف ؛ لأن أحد رواته وهو " صالح بن بشير المرى " ضعيف عند الأئمة . وقال البخاري هو منكر الحديث . ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : " وروى عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب ، قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كان لنا يوم مثل هذا اليوم من المشركين لنمثلن بهم ، فلما كان يوم الفتح قال رجل : لا تعرف قريش بعد اليوم . فنادى مناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمن الأبيض والأسود إلا فلانا وفلانا - ناسا سماهم - ، فنزلت الآية .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نصبر ولا نعاقب " " .
والذي نراه أن الآية الكريمة - حتى ولو كان سبب نزولها ما ذكر - إلا أن التوجيهات التي اشتملت عليها صالحة لكل زمان ومكان ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعلى رأس هذه التوجيهات السامية التي اشتملت عليها : دعوة المسلمين الى التزام العدالة في أحكامهم ، وحضهم على الصبر والصفح ما دام ذلك لا يضر بمصلحتهم ومصلحة الدعوة الإِسلامية .
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله . . . } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.