الآيات : هي ما اقترحته قريش من جعل الصفا ذهبا .
مبصرة : بينة جعلتهم ذوي بصائر .
فظلموا بها : فكفروا بها وجحدوا .
وقد كانت الخوارق تصاحب الرسالات ؛ لتصديق الرسل وتخويف الناس من عاقبة التكذيب وهي الهلاك بالعذاب ، فاقترحت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم بعض الآيات والمعجزات فأجابهم الله بقوله :
59- { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون . . . }
أي : أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم ؛ لاستحقوا عذاب الاستئصال كما هي سنتنا في الأمم السابقة كعاد وثمود ، وقد قضى الله ألا يستأصل كفار هذه الأمة ؛ لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن .
ولأن الله شاء أن تكون معجزة الإسلام هي القرآن وهو كتاب يرسم منهجا كاملا للحياة ويخاطب الفكر والقلب ويبقى مفتوحا للأجيال المتتابعة تقرؤه وتؤمن به إلى يوم القيامة ، أما الخوارق المادية فهي تخاطب جيلا واحدا من الناس ، وتقتصر على من يشاهدها من هذا الجيل .
والخلاصة : أنه ما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين بمثلها ، فإن أرسلناها وكذب هؤلاء بها ؛ عوجلوا ولم يمهلوا .
روى الإمام أحمد{[420]} عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا . فقيل له : إن شئت أن نستأني بهم ، لعلنا نجتبي منهم ، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم .
قال : بل نستأني بهم فأنزل الله : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة . . . }
{ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ولا نرسل بالآيات إلا تخويفا } .
أي : وقد سألت ثمود من قبل قومك : الآيات فآتيناها ما سألت ، وجعلنا لها الناقة حجة واضحة ، دالة على وحدانية من خلقها ، فكفروا بها ، ومنعوها شربها وقتلوها ، فأبادهم الله وانتقم منهم .
وما كانت الآيات إلا إنذارا وتخويفا بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات .
هذه التجارب البشرية ، اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق ؛ لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها ، لا رسالة جيل واحد يراها ، ولأنها رسالة الرشد البشري ، تخاطب مدارك الإنسان جيلا بعد جيل ، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته ، والذي من أجله كرمه الله على كثير من خلقه .
أما الخوارق التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم وأولها : خارقة الإسراء والمعراج ، فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الأمة الإِسلامية ، ورحمته بها ، فقال - تعالى - : { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون .
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية آثارًا منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : " سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا ، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا . فقيل له : إن شئت أن تستأنى بهم ، وإن شئت أن يأتيهم الذى سألوا . فإن كفروا ، هلكوا كما أهلكتُ من كان قبلهم من الأمم .
فقال صلى الله عليه وسلم : " لا . . بل استأنى بهم " ، وأنزل الله قوله : { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون . . . } " .
قال الآلوسى : والمنع لغة : كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله ، ولاستحالة ذلك فى حقه - تعالى - لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا : إنه مستعار هنا للصرف والترك . . . .
وقوله : { أن نرسل } فى محل نصب لأنه مفعول ثان لمنعنا ، أو فى محل جر ، على حذف الجار ، أى : من أن نرسل ، وقوله : { إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا } فى محل رفع لأنه فاعل منعنا ، والتقدير : وما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين .
والمراد بالآيات : ما اقترحه المشركون على النبى صلى الله عليه وسلم من قلب الصفا ذهبا ، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها . . .
والمعنى : وما كان سبب تركنا لإِجابة المقترحات التى طلبها المشركون منك - أيها الرسول الكريم - إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم ، كما كذب بأمثالها أشباههم الأولون ، وفى هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا .
وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا - بأمتك أيها الرسول الكريم - ، ألا نعذبهم عذاب الاستئصال والمحو ، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة .
قالوا : ومن الحكم فى هذا التأخير : الإِظهار لمزيد شرف النبى صلى الله عليه وسل ، كما قال - تعالى - : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين ، ولمن سيؤمن من هؤلاء المقترحين ، إلى غير ذلك من الحكم التى لا يعلمها إلا هو - سبحانه - .
قال صاحب الكشاف : استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة . . . والمراد : الآيات التى اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ، ومن إحياء الموتى ، وغير ذلك .
وعادة الله فى الأمم ، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها . ثم لم يؤمن ، أن يعاجل بعذاب الاستئصال . فالمعنى : وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم ، كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك ، وقالوا : هذا سحر مبين ، كما يقولون فى غيرها .
واستوجبوا العذاب المستأصل . وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة .
ثم ساق - سبحانه - مثالاً للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقترحوه ، ولكنهم لم يؤمنوا ، فأخذهم عذاب الاستئصال ، فقال - تعالى - : { وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا } .
وثمود : هم قوم صالح - عليه السلام - ، وخصهم بالذكر ، لأنهم معروفون لأهل مكة أكثر من غيرهم ، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام .
والناقة المراد بها : ناقة صالح - عليه السلام - التى طلبها قومه منه ، فأخرجها الله - تعالى - لهم لتكون معجزة له ، ولكنهم لم يؤمنوا به ، بل عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ، فأهلكهم الله - تعالى - بالصيحة التى جعلتهم فى دارهم جاثمين .
وقوله { مبصرة } أى : معجزة واضحة ، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء أو لبس . .
قال الجمل : " { مبصرة } بكسر الصاد - باتفاق السبعة ، والإِسناد مجازى . أى : يبصرونها خارجة من الصخرة . وقرئ شاذا بفتح الصاد . ثم قال : وفى السمين : مبصرة حال . وهو إسناد مجازى ، إذ المراد إبصار أهلها ، ولكنها لما كانت سببا فى الإِبصار نسب إليها ، والظاهر أن المراد الإِبصار المعنوى ، وهو الاهتداء بها ، والتوصل بها ، إلى تصديق نبيهم ، وعلى هذا تظهر السببية ، فإن وجودها سبب فى هذا المعنى . . . " .
وقال الآلوسى : " وقوله : { مبصرة } على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة ، والمراد : ذات إبصار ، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها ، فالصيغة للنسب . . . . " .
والمعنى : لقد تركنا إجابة المطالب التى اقترحها قومك - يا محمد - ، رحمة بهم ، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم استمروا فى تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين . فقد أجبنا قوم صالح - عليه السلام - إلى ما طلبوه من نبيهم ، بأن أخرجنا لهم الناقة ، وجعلناها معجزة واضحة نيرة فى الدلالة على صدقه ، فقابلوها بالتكذيب والجحود ، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها .
قال - تعالى - : { فَعَقَرُواْ الناقة وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائتنا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ المرسلين فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } وقال - سبحانه - : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ إِذِ انبعث أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا } وقوله - سبحانه - : { وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً } تذييل قصد به الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على صدقهم .
والباء فى قوله { بالآيات } للملابسة ، ومفعول ، نرسل ، محذوف ، و { تخويفًا } مفعول لأجله .
قال القرطبى قوله : " { وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً } فيه خمسة أقوال : الأول : العبر والمعجزات التى جعلها الله على أيدى الرسل ، من دلائل الإِنذار تخويفًا للمكذبين . الثانى : أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصى .
الثالث : أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك . الرابع : القرآن ، الخامس : الموت الذريع " .
والمعنى : وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا تخويفًا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها . فإنهم إن كذبوها يصيبهم من العذاب ما يصيبهم .