{ يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبيء إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذي النبيء فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذالكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذالكم كان عند الله عظيما( 53 ) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما( 54 ) لا جناح عليهن في ءابآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا( 55 ) }
غير ناظرين إناه : غير منتظرين إدراكه ونضجه وأنى هو مصدر أنى يأتنى أي أدرك وحان نضجه .
مستأنسين لحديث : مستمعين لحديث أهل البيت أو لبعضكم بعضا .
متاعا : المتاع هو كل ما ينتفع به كالطعام والثياب وأثاث البيت وغيره .
من وراء حجاب : وهو الساتر لأنه يمنع من المشاهدة .
أطهر : أزكى وأنقى للريبة وسوء الظن .
{ يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبيء إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه . . . } .
إذا دعاكم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طعام فلا تأتوا قبل الميعاد المتعارف عليه أو قبل معرفة أن الطعام قد تم نضجه وإعداده حيث يكون أصحاب البيت في انشغال بالطعام وفي ثياب البذلة والمهنة ، وحضوركم مبكرين يجعل أصحاب البيت ينشغلون بكم ويتكلفون الحديث من أجلكم ومعنى : { غير ناظرين إناه . . . } غير منتظرين إدراكه ونضجه .
قال ابن كثير حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام حتى غار الله لهذه الأمة فأمرهم بذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة فإذا دعي المؤمن إلى طعام لبى الدعوة وليحذر الحضور قبل الميعاد كما يحذر الجلوس بعد الميعاد حيث يشغل صاحب المنزل إلا لحاجة ماسة .
روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرسا كان أو غيره " . 60
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدى إلى كراع لقلبت ، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض " . 61
{ ولكن إذا دعيتم فادخلوا . . . }
أي إذا قدمت لكم الدعوة فلبوا الدعوة وادخلوا البيت .
{ فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث . . . } .
فإذا أكلتم الطعام فاخرجوا من البيت ولا تمكثوا فيه لتتبادلوا ألوان الحديث وفنونه المختلفة قال أبو حيان : نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لحديث يحدثه به .
{ إن ذالكم كان يؤذي النبيء فيستحيي منكم . . . }
إن ذلك المكث في المنزل بعد الطعام يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم حيث يمنعه من تصريف مصالحه والعناية بشؤونه وهو مسئول عن أسرته وعن شئون المسلمين وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حيائه يستحيي أن يأمرهم بالانصراف لخلقه الرفيع وقلبه الرحيم .
{ والله لا يستحيي من الحق . . . }
والله جل جلاله وعلا لا يترك بيان الحق ولا يمنعه مانع من إظهار الحق وتبيانه لكم .
قال القرطبي هذا أدب أدّب الله به الثقلاء .
وقال الثعلبي : حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم .
{ وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب . . . }
وإذا أردتم حاجة من أزواجه الطاهرات فاطلبوها من وراء ساتر .
وقد نزلت هذه الآية في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهي مما وافق تنزيلها قول عمر كما في الصحيحين عنه قال : وافقت ربي عز وجل في ثلاث : قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . . . } . ( البقرة : 125 ) وقلت : يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو احتجبن فأنزل الله آية الحجاب : { وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب . . . } . وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما تمالأن عليه : { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن . . . } ( التحريم : 5 ) . فنزلت كذلك .
{ ذالكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن . . . } .
أي هذا الذي شرعته لكم من الدخول بالإذن والخروج عقب الطعام دون الاستئناس بالحديث وطلب الأشياء من وراء حجاب أطهر وأطيب للنفوس وأبعد عن الريبة والتهمة ، وأكثر طمأنينة للقلوب من الهواجس والوساوس الشيطانية .
{ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا . . . }
لقد أمر الله المؤمنين بتوقير الرسول وتعظيمه ومناصرته ونهى المسلمين عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وإزعاجه وإقلاق راحته ومثال ذلك ما ورد النهي عنه في سورة الحجرات من التقدم عليه أو رفع الصوت عليه أو مناداته من وراء الحجرات وهنا أدب الله المسلمين بعدم دخول بين النبي إلا بالإذن وعند نضوج الطعام ، إذا كانت الدعوة إلى طعام وعدم إطالة المكث بعد الأكل وإذا طلبوا شيئا من زوجاته طلبوه من وراء حجاب وبين أن مثل هذه الأمور مما يؤذي رسول الله ، وما ينبغي لمؤمن أن يؤذي الرسول أي إيذاء كما ينبغي للمؤمنين توقير زوجاته فهن أمهات المؤمنين فينبغي احترامهن احترام الأم ولا يحل لمؤمن أن يتزوج زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم سواء أكان ذلك في حياته أو بعد وفاته .
{ إن ذالكم كان عند الله عظيما } .
أي إيذاء الرسول بأي نوع من أنواع الإيذاء أو زواج زوجاته من بعده كان في حكم الله تعالى من الكبائر المحرمات التي لا ذنب أعظم منها .
ثم ساقت السورة الكريمة بعد لك ألوانا من التشريعات الحكيمة ، والأداب القويمة ، التى تتعلق بدخول بيوت النبى صلى الله عليه وسلم ، وبحقوق أزواجه صلى الله عليه وسلم فى حياته وبعد مماته ، وبوجوب احترامه وتوقيره صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : { ياأيها الذين آمَنُواْ . . . . بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } .
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي . . . } روايات متعددة منها ، ما ثبت فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال : وافقت ربى فى ثلاث . فقلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله - تعالى - : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو حجبتهن ، فأنزل الله آية الحجاب . وقلت لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ما تمالأن عليه فى الغيرة { عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ } فنزل كذلك .
وروى البخارى عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال : لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب جحش ، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون ، فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا . فلما رأى ذلك قام ، فلما قام صلى الله عليه وسلم قام معه من قام ، وقعد ثلاثة نفر . فجاء النبى صلى الله عليه وسلم ليدخل ، فإذا القوم جلوس ، ثم إنهم قاموا ، فانطلقت فجئت فأخبرت النبى صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا . فجاء حتى دخل ، فذهبت أدخل ، فألقى الحجاب بينى وبينه ، فأنزل الله - تعالى - : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي . . . } الآية .
قال ابن كثير : وكان وقت نزولها فى صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش : التى تولى الله - تعالى - تزويجها بنفسه ، وكان ذلك فى ذى القعدة من السنة الخامسة ، فى قول قتادة والواقدى وغيرهما .
والمراد ببيوت النبى : المساكن التى اعدها صلى الله عليه وسلم لسكنى أزواجه .
والاستثناء فى قوله - تعالى - : { إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } استثناء مفرغ من أعم الأحوال .
وقوله : { غَيْرَ نَاظِرِينَ } حال من ضمير { تَدْخُلُواْ } و { إِنَاهُ } أى : نضجه وبلوغه الحد الذى يؤكل معه . يقال : أنَى الطعام يأنَى أنْياً وإِنى - كقلى يقلى - إذا نضج وكان معدا للأكل .
والمعنى : يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، لا تدخلوا بيوت النبى صلى الله عليه وسلم فى حال من الأحوال ، إلا فى حال الإِذن لكم بدخولها من أجل حضور طعام تدعون إلى تناوله ، وليكن حضوركم فى الوقت المناسب لتناوله ، لا قبل ذلك بأن تدخلوا البيوت بدون استئذان ، فإذا وجدوا طعاما يعد ، انتظروا حتى ينضج ليأكلوا منه .
فالنهى فى الآية الكريمة مخصوص بمن دخل من غير دعوة ، وبمن دخل بدعوة ولكنه مكث منتظرا للطعام حتى ينضج ، دون أن تكون هناك حاجة لهذا الانتظار . أما إذا كان الدخول بدعوة أو لحضور طعام بدون انتظار مقصود لوقت نضجه ، فلا يتناوله النهى .
قال الآلوسى : والآية على ما ذهب إليه جمع من المفسرين ، خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبى صلى الله عليه وسلم فيدخلون وقعدون منتظرين لإِدراكه ، فهى مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم فى المستقبل . فالنهى مخصوص بمن دخل بغير دعوة ، وجلس منتظرا للطعام من غير حاجة فى تفيد النهى عن الدخول بإذن لغير طعام ، ولا من الجلوس واللبث بعد الطعام لمهم آخر .
وقوله - سبحانه - { وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا } استدراك على ما فهم من النهى عن الدخول بغير إذن ، وفيه إشعار بأن الإِذن متضمن معنى الدعوة .
أى : لا تدخلوا بدون إذن ، فإذا أذن لكم ودعيتم إلى الطعام فادخلوا لتناوله وقوله - تعالى - { فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } بيان للون آخر من ألوان الآداب الحكيمة التى شرعها الإِسلام فى تناول الطعام عند الغير .
أى : إذا دعيتم لحضور طعام فى بيت النبى صلى الله عليه وسلم فادخلوا ، فإذا ما انتهيتم من طعامكم عنده ، فتفرقوا ولا تمكثوا فى البيت مستأنسين لحديث بعضكم مع بعض ، أو لحديثكم مع أهل البيت .
فقوله { مُسْتَأْنِسِينَ } مأخوذ من الأنس بمعنى السرور والارتياح للشئ . تقول : أنست لحديث فلان ، فإذا سررت له ، وفرحت به .
وأطلق - سبحانه - نفى الاستئناس للحديث ، من غير بيان صاحب الحديث ، للإِشعار بأن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإِطلاق ، ما دام ليس هناك من حاجة إلى هذا المكث . وهذا أدب عام لجميع المسلمين .
واسم الإِشارة فى قوله : { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ } يعود إلى الانتظار والاستئناس للحديث ، والدخول بغير إذن . والجملة بمثابة التعليل لما قبلها .
أى : إن ذلكم المذكور كان يؤذى النبى صلى الله عليه وسلم كان يستحيى أن يصرح لكم بذلك ، لسمو خلقه ، وكما أدبه ، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يستحيى أن يقول لكم كلاما تدركون منه أنه يريد انصرافكم .
وقوله - تعالى - : { والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق } أى : والله - تعالى - لا يستحيى من إظهار الحق ومن بيانه ، بل من شأنه - سبحانه - أن يقول الحق ، ولا يسكت عن ذلك .
وإذا كان الرسول صلى الله عليه سولم قد منعه حياؤه من أن يقول قولا تفهمون منه ضجره من بقائكم فى بيته بعد تناول طعامكم عنده . . . فإن الله - تعالى - وهو خالقكم لا يمتنع عن بيان الحق فى هذه الأمور وفى غيرها ، حتى تتأدبوا بأدب القويم . ثم ذكر - سبحانه - بعض الآداب التى يجب عليهم أن يلتزموها مع نساء نبيهم صلى الله عليه وسلم فقال : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ . . } .
أى : وإذا طلبتم - أيها المؤمنون - من أزواج النبى صلى الله عليه وسلم شيئا يتمتع به سواء أكان هذا الشئ حسيا كالطعام أم معنويا كمعرفة بعض الأحكام الشرعية .
. إذا سألتموهن شيئا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن . .
لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة ، أظهر لقلوبكم وقلوبهن ، وأبعد عن الوقوع فى الهواجس الشيطانية التى قد تتولد عن مشاهدتكم لهن ، ومشاهدتهن لكم . .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً } .
أى : وما صح وما استقام لكم - أيها المؤمنون - أن تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأى لون من ألوان الأذى ، سواء أكان بدخول بيوته بغير إذنه ، أم بحضوركم إليها انتظارا لنضج الطعام بجلوسكم بعد الأكل بدون مقتض لذلك ، أم بغير ذلك مما يتأذى به صلى الله عليه وسلم .
كما أنه لا يصح لكم بحال من الأحوال أن تنكحوا أزواجه من بعده ، أى : من بعد وفاته .
{ إِنَّ ذلكم } أى : إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده { كَانَ عِندَ الله } - تعالى - ذنبا { عَظِيماً } وإثما جسيما ، لا يقادر قدره .