الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ} (3)

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } أي نقرأ ، وأصل القصص تتبع الشيء ، ومنه قوله تعالى

{ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ } [ القصص : 11 ] فالقاص يتتبع الآثار ويخبر بها .

{ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } يعني قصة يوسف { بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } و { ما } المصدر أي بإيحائنا إليك هذا القرآن { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ } من قبل وحينا { لَمِنَ الْغَافِلِينَ } قال سعد بن أبي وقاص : أُنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زماناً ، وكأنهم ملّوا فقالوا : لو قصصت علينا ، فأنزل الله تعالى { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } الآية ، فقالوا : يا رسول الله لو ذكرتنا وحدثتنا فأنزل الله تعالى

{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } [ الحديد : 16 ]الآية ، فقال الله تعالى على هذه الآية : أحسن القصص .

واختلف الحكماء فيها لم سميت أحسن القصص من بين الأقاصيص ؟ فقيل : سماها أحسن القصص لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة ، وقيل : سمّاها أحسن لامتداد الأوقات فيما بين مبتداها إلى منتهاها ، قال ابن عباس : كان بين رؤيا يوسف ومصير أبيه وأخوته إليه أربعون سنة ، وعليه أكثر المفسرين ، وقال الحسن البصري : كان بينهما ثمانون سنة .

وقيل : سماها أحسن القصص لحسن مجاورة يوسف إخوته ، وصبره على أذاهم ، وإغضائه عند الإلتقاء بهم عن ذكر ما تعاطوه ، وكرمه في العفو عنهم وقيل : لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والأنس والجن والأنعام والطير ، وسير الملوك والمماليك ، والتجار والعلماء والجهال ، والرجال والنساء ، وحيلهن ومكرهن ، وفيها أيضاً ذكر التوحيد والعفة والسير وتعبير الرؤيا السياسة وتدبير المعاش ، وجعلت أحسن القصص لما فيها من المعاني الجزيلة والفوائد الجليلة التي تصلح للدين والدنيا ، وقيل : لأن فيها ذكر الحبيب المحبوب . وقيل : أحسن القصص هاهنا بمعنى أعجب .