الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ} (3)

قوله تعالى : " نحن نقص عليك " ابتداء وخبره : " أحسن القصص " بمعنى المصدر ، والتقدير : قصصنا أحسن القصص . وأصل القصص تتبع الشيء ، ومنه قوله تعالى : " وقالت لأخته قصيه{[8930]} " [ القصص : 11 ] أي تتبعي أثره ، فالقاص ، يتبع الآثار فيخبر بها . والحسن يعود إلى القصص لا إلى القصة . يقال : فلان حسن الاقتصاص للحديث أي جيد السياقة له . وقيل : القصص ليس مصدرا ، بل هو في معنى الاسم ، كما يقال : الله رجاؤنا ، أي مرجونا فالمعنى على هذا : نحن نخبرك بأحسن الأخبار . " بما أوحينا إليك " أي بوحينا ف " ما " مع الفعل بمنزلة المصدر . " هذا القرآن " نصب القرآن على أنه نعت لهذا ، أو بدل منه ، أو عطف بيان . وأجاز الفراء الخفض ، قال : على التكرير ، وهو عند البصريين على البدل من " ما " . وأجاز أبو إسحاق الرفع على إضمار مبتدأ ، كأن سائلا سأله عن الوحي فقيل له : هو هذا القرآن . " وإن كنت من قبله لمن الغافلين " أي من الغافلين عما عرفناكه{[8931]} .

مسألة : واختلف العلماء لم سميت هذه السورة أحسن القصص من بين سائر الأقاصيص ؟ فقيل : لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة ، وبيانه قوله في آخرها : " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب{[8932]} " [ يوسف : 111 ] . وقيل : سماها أحسن القصص لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته ، وصبره على أذاهم ، وعفوه عنهم - بعد الالتقاء بهم - عن ذكر ما تعاطوه ، وكرمه في العفو عنهم ، حتى قال : " لا تثريب عليكم اليوم{[8933]} " [ يوسف : 92 ] . وقيل : لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين ، والجن والإنس والأنعام والطير ، وسير الملوك والممالك ، والتجار والعلماء والجهال ، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن ، وفيها ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا ، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش ، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا . وقيل : لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما . وقيل : " أحسن " هنا بمعنى أعجب . وقال بعض أهل المعاني : إنما كانت أحسن القصص ؛ لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة ، انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته ، وامرأة العزيز ، قيل : والملك أيضا أسلم بيوسف وحسن إسلامه ، ومستعبر الرؤيا الساقي ، والشاهد فيما يقال ، فما كان أمر الجميع إلا إلى خير .


[8930]:راجع ج 13 ص 254.
[8931]:من ع، ي.
[8932]:راجع ص 277 و ص 255 من هذا الجزء.
[8933]:راجع ص 277 و ص 255 من هذا الجزء.