التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

ثم ختم يوسف - عليه السلام - ثناءه على الله - تعالى - بهذا الدعاء الذي حكاه القرآن عنه في قوله : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك } أى : يا رب قد أعطيتنى شيئاً عظيماً من الملك والسلطان بفضلك وكرمك .

{ وَعَلَّمْتَنِي } - أيضاً - شيئاً كثيراً { مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } أى : من تفسيرها وتعبيرها تعبيراً صادقاً بتوفيقك وإحسانك .

{ فَاطِرَ السماوات والأرض } أى : خالقهما على غير مثال سابق ، وهو منصوب على النداء بحرف مقدر أى : يا فاطر السموات والأرض .

{ أَنتَ وَلِيِّي } وناصرى ومعينى { فِي الدنيا والآخرة } .

{ تَوَفَّنِي } عندما يدركنى أجلى على الإِسلام ، وأبقنى { مُسْلِماً } مدة حياتى .

{ وَأَلْحِقْنِي } في قبرى ويوم الحساب { بالصالحين } من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .

وبهذا الدعاء الجامع الذي توجه به يوسف إلى ربه - تعالى - يختتم القرآن الكريم قصة يوسف مع أبيه ومع إخوته ومع غيرهم ممن عاشرهم والتقى بهم وهو دعاء يدل على أن يوسف - عليه السلام - لم يشغله الجاه والسلطان ولم يشغله لقاؤه عن طاعة ربه ، وعن تذكر الآخرة وما فيها من حساب . .

وهذا هو شأن المصطفين الأخيار الذين نسأل الله - تعالى - أن يحشرنا معهم ، ويحلقنا بهم ، ويوفقنا للسير على نهجهم . . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

قوله تعالى : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } بعد ما جمع الله ليوسف أبويه وإخوته وأهليهم وبسط عليه من الدنيا كل وجوه الكرامة والإعزاز والتمكين في الأرض وآتاه الله السعة في الملك والنعيم قال : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } أي ملك مصر حيث السلطان وعلو المنزلة { وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } أي تعبير الرؤيا . وهذا من جملة العلوم التي يؤتاها أولو البصائر النيرة من المؤمنين الأخيار { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } { فاطر } منصوب على النداء ؛ أي يا خالق السموات والأرض { أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ } أنت عوني ونصيري ؛ إذ تتولى أمري كله في الدنيا والآخرة .

على أنه ما ينبغي لأحد في شريعة أن يتمنى الموت وإن اشتدت به الخطوب وتكاثرت من حوله النوائب والمحن . فما ينبغي لمسلم في مثل هذه الأحوال من الشدة والكرب إلا أن يلجأ إلى الله بالدعاء ؛ لكي يفيض على قلبه بالرحمة والسكينة ، وأن ييسر له الطاقة على الاحتمال والصبر ؛ فيكتب عند الله في عداد الصابرين العابدين المخبتين .

وفي هذا الصدد روي الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ؛ فإن كان ولابد متمنيا الموت فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ) {[2302]} .


[2302]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 492 وتفسر الطبري جـ 13 ص 48.