التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا} (88)

ثم أمر الله - تعالى - نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال - تعالى - : { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } .

أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا - كما حكى الله عنهم - { لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز : والله لئن اجتمعت الإِنس والجن ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، الذى أنزله الله - تعالى - من عنده على قلبى . . لا يستطيعون ذلك . ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ومعينًا ومناصرًا ، فى تحقيق ما يتمنونه من الإِتيان بمثله .

وخص - سبحانه - { الإِنس والجن } بالذكرن لأن المنكر كون القرآن من عند الله ، من جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة - مثلاً - ، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولأن التحدى إنما هو للإِنس والجن الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم .

وقال - سبحانه - : { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } فأظهر فى مقام الإِضمار ، ولم يكتف بأن يقول : لا يأتون به ، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلاً معينًا ، وللإِشعار بأن المقصود نفى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية ، سواء أكانت فى بلاغته ، أم فى حسن نظمه ، أم فى إخباره عن المغيبات ، أم فى غير ذلك من وجوه إعجازه .

وقوله : { وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } معطوف على مقدر ، أى : لا يستطيعون الإِتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض ، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضًا .

والمقصود أنهم لا يستطيعون الإِتيان بمثله على أية حال من الأحوال ؛ وبأية صورة من الصور ، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة ، انتفى من باب الأولى الإِتيان بمثله مع عدمهما . وقوله : { لبعض } متعلق بقوله { ظهيرا } .

ولقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإِتيان بعشر سور من مثله ، بل بسورة واحدة من مثله .

قال - تعالى - : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } وقال - سبحانه - : { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا} (88)

قوله تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ذلك إعلان من الله قاطع على أن القرآن معجزة الرسول ( ص ) . والمراد بمعجزته ما أعجز به الخصم عن التحدي . والهاء للمبالغة{[2739]} ، والإعجاز معناه الخروج عن المألوف مع الاقتران بالتحدي وعدم المعارضة من أحد . وذلك هو شأن القرآن الذي جيء به من عند الله بلاغا للناس ، وإنقاذا للعالمين من الضلال في هذه الدنيا وتنجية لهم من الخسران والعذاب في الآخرة .

ولقد جيء بالقرآن على صفته البالغة من الإعجاز ليتحدى الله به العالمين أن يأتوا بمثله . وكان ذلك في زمان كان العرب فيه في أوج نبوغهم من فصاحة الكلم وبراعة اللسان فما استطاعوا أن يأتوا بمثله .

ولقد بينا فيما مضى أن القرآن الكريم تتجلى فيه خصائص شتى من عجيب الصفات ، سواء في اللفظ والعبارة ، أو المعنى والمضمون . والقرآن في ذلك كله يأتي في غاية الكمال والجمال بما ليس له في النظم نظير . وهو في آياته وألفاظه ومقاطعه وعباراته معجز ، لفرط بلاغته الراقية ، وأسلوبه العجيب المميز ، وإيقاعه المؤثر الشجي ، وروعته التي تأخذ بالقلوب والألباب ، وتبهر النفس والوجدان أيما بهر .

وهو كذلك في معانيه ومضامينه معجز . وذلك بما حواه من هائل المعاني والأخبار والمواعظ ، وجليل المشاهد والحكم والقصص ، ومختلف الأوامر والزواجر والأحكام من حلال وحرام وتحذير وتنذير إلى غير ذلك من الحجج والدلائل والبراهين الساطعة في الحياة والطبيعة والإنسان .

ومن أعجب العجب أن يأتي ذلك كله في كتاب ذي حجم متوسط . ولو تكلف البشر أن يأتوا بكل هذه المعاني والمضامين لاستنفد ذلك منهم آلاف الكتب . ولو جهدوا أن يجعلوا كل ذلك في كتاب واحد ذي حجم متوسط كحجم القرآن ؛ لجاء كلامهم في غاية التكلف المصنوع والتنافر الثقيل المستقبح . لكن القرآن بتعدد ضروبه في المعاني ، وهائل علومه الكريمة العظام ، وواسع شموله الذي غشي الأولين والآخرين ، وشمل الدنيا والآخرة ، قد جاء في حجمه على غاية الإيجاز لكنه مع ذلك كان في الذروة السامقة من الإعجاز .

فالقرآن بخصائصه العجيبة هذه ومزاياه غير ذات النظير ، قائم يتحدى العالمين ان يأتوا بمثله ؛ إذ لم يستطيعوا . وهو قوله سبحانه : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) يأمر الله نبيه محمدا ( ص ) بإبلاغ الناس على وجه التأكيد أنه لو اتفقت الإنس والجن- متعاونين فيما بينهم- على الإتيان بمثل القرآن المعجز ( لا يأتون بمثله ) ( لا يأتون ) ، جواب للقسم الموطأ له باللام . وقيل : جواب للشرط{[2740]} .

والمعنى ، أنهم عاجزون عن الإتيان بمثل هذا الكتاب الحكيم ؛ إذ لا يستطيعون مضاهاته البتة . ولو علموا من أنفسهم الاقتدار على الإتيان بمثله أو شيء منه لبادروا دون إبطاء أو وناء مبتغين بذلك إحراج النبي ( ص ) والتشكيك في قرآن الله ، بدلا من الاستعداد لهذه المهمة بالحرب كي يواجهوا الإسلام والمسلمين فتزهق بذلك أرواح رجالهم وتفنى أموالهم . وذلك يكشف عن عجزهم الكامل عن محاكاة القرآن أو معارضته ، فضلا عن الإتيان بمثله . ( ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) والظهير ، معناه المعين{[2741]} ؛ أي لو تكلفوا كل الأسباب والجهود من أجل الإتيان بمثل القرآن- وهم يعين بعضهم بعضا- لعجزوا بالغ العجز ، ولصاروا إلى الخذلان والخسران .

ومن أظهر الأدلة على ذلك ، تلك المحاولات التاعسة المخزية التي انزلق فيها نفر من الأشقياء والمغرورين والمخدوعين من أمثال الكذاب مسيلمة ؛ ذلك الجهول الغاشم الذي تولى كِبْره في الأرض ، سادرا في حماقته ، واغتراره ، وهو يزدرد من الكلمات ما هو فاضح وسقيم ومكذوب . فما كان هذا الدجال المأفون إلا مفتريا على الله الباطل من الكلام المضطرب المهين زاعما أنه من عند الله افتراء عليه ، حتى استطار زيفه وشاعت في الآفاق حماقته وبات على الدوام مدعاة للعن اللاعنين وسخرية المستسخرين{[2742]} .


[2739]:- القاموس المحيط ص 663.
[2740]:- الدر المصون جـ7 ص 406.
[2741]:- القاموس المحيط ص 557.
[2742]:- روح المعاني ص 8 ص 166، 167.