الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

{ ليشهدوا } ليحضروا { منافع لهم } من أمر الدنيا والآخرة { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني التسمية على ما ينحر في يوم النحر وأيام التشريق { فكلوا منها } أمر إباحة وكان أهل الجاهليه لا يأكلون من نسائكهم فأمر المسلمون أن يأكلوا { وأطعموا البائس الفقير } الشديد الفقر

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

ولما كان الإنسان ميالاً إلى الفوائد ، مستشرقاً إلى جميل العوائد ، علل الإتيان بما يرغبه مبيحاً من فضله ما يقصده من أمر المعاش فقال : { ليشهدوا } أي يحضروا حضوراً تاماً { منافع لهم } أي لا للمعبود ، دينية ودنيوية ، فإنه كما جعل سبحانه تلك المواطن ماحية للذنوب ، جالبة للقلوب ، جعلها جالبة للفوائد ، جارية على أحسن العوائد ، سالة للفقر جابرة للكسر ، ولما كانت المنافع لا تطيب وتثمر إلا بالتقوى كان الحامل على التقوى لذكر قال : { ويذكروا اسم الله } أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره ، إعلاماً بأنه المقصود الذي يتبعه جميع المقاصد لأنه ما جمعهم على ما فيه من تلك الأرض الغراء والأماكن الغبراء إلا هو بقدرته الكاملة ، وقوته الشاملة ، لا اسم شيء من الأصنام كما كانت الجاهلية تفعل { في أيام معلومات } أي علم أنها أول عشر في ذي الحجة الذي يوافق اسمه مسماه ، لا ما سموه به ومسماه غيره على ما حكم به النسيء ، وفي هذا إشارة إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر مندوب إليه في كل وقت ، وفي التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد بعد القطع بأن الشهر ذو الحجة اسماً ومسمى في تحرير أوله ، وأما أيام التشريق فإنها لما كانت مبنية على العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا ، فأنتج العلم بيوم العيد ، لم يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم .

ولما كانت النعم أجل أموالهم ، قال تعالى مرغباً لهم ومرهباً : { على } أي مبركين بذكره وحامدين على { ما رزقهم } ولو شاء محقه { من بهيمة } ولما كانت البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر ، بينها بقوله : { الأنعام } من الإبل والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته ، ثم عند ذبحه ، وفيه حث على التقرب بالضحايا ، والهدايا ، ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم ، وتركيب " لهم " يدور على الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز ، وتركيب " نعم " على الرفاهية والخفض والدعة .

ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، تنبيهاً على أنها لعظم المعبود لا يقوم بها على وجهها إلا الخلص ، أقبل على العابدين كلهم بالإذن في ما يسرهم من منحة التمتيع ، تنبيهاً على النعمة ، حثاً على الشكر ، فقال مبيناً عما اندرج في ذلك من الذبح : { فكلوا منها } أي إن شئتم إذا تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية ، فالأكل من المتطوع به لا يخرجه عن كونه قرباناً في هذه الحنيفية السمحة منة على أهلها ، تشريفاً لنبيها صلى الله عليه وسلم ، والأكل من الواجب لا يجوز لمن وجب عليه ، لأنه إذا أكل منه ولم يكن مخرجاً لما وجب عليه بكماله { وأطعموا البائس } أي الذي اشتدت حاجته ، من بئس كسمع إذا ساءت حاله وافتقر ، وبين أنه من ذلك ، لا من بؤس - ككرم الذي معناه : اشتد في الحرب ، بقوله : { الفقير* }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

قوله تعالى : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ( 28 ) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( 29 ) } أي ناد في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانا ليحضروا ( منافع لهم ) ووجوه المنافع التي يحضرونها كثيرة : منها أداء المناسك كعرفات والمشعر الحرام حيث الذكر والتسبيح والتهليل والدعاء في تضرع وتذلل إلى الله عسى أن يستجيب ويكفّر الخطايا والذنوب ، وغير ذلك من وجوه المنفعة كالتجارات والزيارات وقضاء المصالح والحوائج المختلفة مما فيه إرضاء لله ، وتحصيل منافع الدنيا والآخرة .

قوله : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) ويراد بالذكر هنا ، التسمية عند الذبح أو النحر لكل من الهدي أو الأضحية . وهو أن يقول الذابح أو الناحر : باسم الله والله أكبر . أو قوله : ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) الآية . وفي ذلك تنبيه على أن الغرض فيما يتقرب به إلى الله هو ذكر اسمه تعالى وما يقتضيه ذلك من مخالفة المشركين في مثل هذه المسألة ؛ إذ كانوا يذبحون أو ينحرون الأنعام للنصب والأوثان .

أما الأيام المعلومات : فالمراد بها العشر من ذي الحجة . وهو قول أكثر أهل العلم . وقال به ابن عباس واختاره الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة . وفي فضل هذه الأيام العشر روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد "

وقيل : المراد بالأيام المعلومات : ثلاثة أيام . وهي يوم النحر ، ويومان بعده . وهو مذهب مالك . وقيل : يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويوم آخر بعده ، وهي رواية عن ابن عباس .

قوله : ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) أي يذكرون اسم الله وحده على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .

قوله : ( فكلوا منها ) أي كلوا مما ذكرتم اسم الله عليه من بهيمة الأنعام . والأمر هنا يفيد الندب وليس الوجوب . وهو قول الجمهور . وبذلك يستحب للمرء أن يأكل من هديه أو ضحيته ، وأن يتصدق بمعظمها ويجوز التصدق بالكل . وقيل : يجب الأكل منها استنادا إلى ظاهر الآية ( فكلوا ) والصواب القول بالندب .

وذهب كثير من أهل العلم وفيهم الحنفية إلى أن المضحي يستحب له التصدق بالثلث ، وأن يطعم الثلث ، ويأكل هو وأهله الثلث . أما عند الشافعية فيأكل النصف . ويتصدق بالنصف الآخر ، لقوله : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) فذكر شخصين . وفي قول لهم ثان : يأكل هو وأهله ثلثا . ويتصدق بثلث ، ويطعم ثلثا .

على أن المسافر مخاطب بالأضحية كالمقيم لعموم الخطاب وخالف الإمام أبو حنيفة في ذلك . واستثنى الإمام مالك من المسافرين الحاج بمنى ؛ إذ لم ير عليه أضحية . وروي هذا عن أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم ؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي . فإذا أراد أن يضحي جعله هديا .

أما حكم الادخار ، ففيه عدة أقوال . أولها : عدم الادخار بعد ثلاثة أيام . وهو مروي عن علي وابن عمر ؛ وذلك لأخبار النهي عن الادخار .

ثانيها : أن النهي عن الادخار منسوخ . وبذلك يذخر إلى أي وقت أحب . وقال به أبو سعيد الخذري .

ثالثها : جواز الأكل من الأضاحي مطلقا .

رابعها : إن كانت بالناس حاجة إلى لحوم الأضاحي فلا يدخر ؛ لأن النهي إنما كانت لعلة وهي قوله ( ص ) : " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت " والدافة ، قوم قدموا المدينة عند الأضحى فنهاهن عن ادخار لحوم الأضاحي ليتصدقوا بها فينتفع بها هؤلاء .

قوله : ( وأطعموا البائس الفقير ) ( البائس ) من البؤس وهو الشدة ، والحاجة{[3102]} ، والبائس من أصابه بؤس أي شدة . أو هو الذي أصابه ضرّ الحاجة والجوع . و ( الفقير ) ، هو الذي لا شيء له . وقيل : المتعفف .


[3102]:- مختار الصحاح ص 39.