{ ليشهدوا } ليحضروا { منافع لهم } من أمر الدنيا والآخرة { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني التسمية على ما ينحر في يوم النحر وأيام التشريق { فكلوا منها } أمر إباحة وكان أهل الجاهليه لا يأكلون من نسائكهم فأمر المسلمون أن يأكلوا { وأطعموا البائس الفقير } الشديد الفقر
ولما كان الإنسان ميالاً إلى الفوائد ، مستشرقاً إلى جميل العوائد ، علل الإتيان بما يرغبه مبيحاً من فضله ما يقصده من أمر المعاش فقال : { ليشهدوا } أي يحضروا حضوراً تاماً { منافع لهم } أي لا للمعبود ، دينية ودنيوية ، فإنه كما جعل سبحانه تلك المواطن ماحية للذنوب ، جالبة للقلوب ، جعلها جالبة للفوائد ، جارية على أحسن العوائد ، سالة للفقر جابرة للكسر ، ولما كانت المنافع لا تطيب وتثمر إلا بالتقوى كان الحامل على التقوى لذكر قال : { ويذكروا اسم الله } أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره ، إعلاماً بأنه المقصود الذي يتبعه جميع المقاصد لأنه ما جمعهم على ما فيه من تلك الأرض الغراء والأماكن الغبراء إلا هو بقدرته الكاملة ، وقوته الشاملة ، لا اسم شيء من الأصنام كما كانت الجاهلية تفعل { في أيام معلومات } أي علم أنها أول عشر في ذي الحجة الذي يوافق اسمه مسماه ، لا ما سموه به ومسماه غيره على ما حكم به النسيء ، وفي هذا إشارة إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر مندوب إليه في كل وقت ، وفي التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد بعد القطع بأن الشهر ذو الحجة اسماً ومسمى في تحرير أوله ، وأما أيام التشريق فإنها لما كانت مبنية على العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا ، فأنتج العلم بيوم العيد ، لم يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم .
ولما كانت النعم أجل أموالهم ، قال تعالى مرغباً لهم ومرهباً : { على } أي مبركين بذكره وحامدين على { ما رزقهم } ولو شاء محقه { من بهيمة } ولما كانت البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر ، بينها بقوله : { الأنعام } من الإبل والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته ، ثم عند ذبحه ، وفيه حث على التقرب بالضحايا ، والهدايا ، ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم ، وتركيب " لهم " يدور على الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز ، وتركيب " نعم " على الرفاهية والخفض والدعة .
ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، تنبيهاً على أنها لعظم المعبود لا يقوم بها على وجهها إلا الخلص ، أقبل على العابدين كلهم بالإذن في ما يسرهم من منحة التمتيع ، تنبيهاً على النعمة ، حثاً على الشكر ، فقال مبيناً عما اندرج في ذلك من الذبح : { فكلوا منها } أي إن شئتم إذا تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية ، فالأكل من المتطوع به لا يخرجه عن كونه قرباناً في هذه الحنيفية السمحة منة على أهلها ، تشريفاً لنبيها صلى الله عليه وسلم ، والأكل من الواجب لا يجوز لمن وجب عليه ، لأنه إذا أكل منه ولم يكن مخرجاً لما وجب عليه بكماله { وأطعموا البائس } أي الذي اشتدت حاجته ، من بئس كسمع إذا ساءت حاله وافتقر ، وبين أنه من ذلك ، لا من بؤس - ككرم الذي معناه : اشتد في الحرب ، بقوله : { الفقير* }
قوله تعالى : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ( 28 ) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( 29 ) } أي ناد في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانا ليحضروا ( منافع لهم ) ووجوه المنافع التي يحضرونها كثيرة : منها أداء المناسك كعرفات والمشعر الحرام حيث الذكر والتسبيح والتهليل والدعاء في تضرع وتذلل إلى الله عسى أن يستجيب ويكفّر الخطايا والذنوب ، وغير ذلك من وجوه المنفعة كالتجارات والزيارات وقضاء المصالح والحوائج المختلفة مما فيه إرضاء لله ، وتحصيل منافع الدنيا والآخرة .
قوله : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) ويراد بالذكر هنا ، التسمية عند الذبح أو النحر لكل من الهدي أو الأضحية . وهو أن يقول الذابح أو الناحر : باسم الله والله أكبر . أو قوله : ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) الآية . وفي ذلك تنبيه على أن الغرض فيما يتقرب به إلى الله هو ذكر اسمه تعالى وما يقتضيه ذلك من مخالفة المشركين في مثل هذه المسألة ؛ إذ كانوا يذبحون أو ينحرون الأنعام للنصب والأوثان .
أما الأيام المعلومات : فالمراد بها العشر من ذي الحجة . وهو قول أكثر أهل العلم . وقال به ابن عباس واختاره الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة . وفي فضل هذه الأيام العشر روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد "
وقيل : المراد بالأيام المعلومات : ثلاثة أيام . وهي يوم النحر ، ويومان بعده . وهو مذهب مالك . وقيل : يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويوم آخر بعده ، وهي رواية عن ابن عباس .
قوله : ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) أي يذكرون اسم الله وحده على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .
قوله : ( فكلوا منها ) أي كلوا مما ذكرتم اسم الله عليه من بهيمة الأنعام . والأمر هنا يفيد الندب وليس الوجوب . وهو قول الجمهور . وبذلك يستحب للمرء أن يأكل من هديه أو ضحيته ، وأن يتصدق بمعظمها ويجوز التصدق بالكل . وقيل : يجب الأكل منها استنادا إلى ظاهر الآية ( فكلوا ) والصواب القول بالندب .
وذهب كثير من أهل العلم وفيهم الحنفية إلى أن المضحي يستحب له التصدق بالثلث ، وأن يطعم الثلث ، ويأكل هو وأهله الثلث . أما عند الشافعية فيأكل النصف . ويتصدق بالنصف الآخر ، لقوله : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) فذكر شخصين . وفي قول لهم ثان : يأكل هو وأهله ثلثا . ويتصدق بثلث ، ويطعم ثلثا .
على أن المسافر مخاطب بالأضحية كالمقيم لعموم الخطاب وخالف الإمام أبو حنيفة في ذلك . واستثنى الإمام مالك من المسافرين الحاج بمنى ؛ إذ لم ير عليه أضحية . وروي هذا عن أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم ؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي . فإذا أراد أن يضحي جعله هديا .
أما حكم الادخار ، ففيه عدة أقوال . أولها : عدم الادخار بعد ثلاثة أيام . وهو مروي عن علي وابن عمر ؛ وذلك لأخبار النهي عن الادخار .
ثانيها : أن النهي عن الادخار منسوخ . وبذلك يذخر إلى أي وقت أحب . وقال به أبو سعيد الخذري .
ثالثها : جواز الأكل من الأضاحي مطلقا .
رابعها : إن كانت بالناس حاجة إلى لحوم الأضاحي فلا يدخر ؛ لأن النهي إنما كانت لعلة وهي قوله ( ص ) : " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت " والدافة ، قوم قدموا المدينة عند الأضحى فنهاهن عن ادخار لحوم الأضاحي ليتصدقوا بها فينتفع بها هؤلاء .
قوله : ( وأطعموا البائس الفقير ) ( البائس ) من البؤس وهو الشدة ، والحاجة{[3102]} ، والبائس من أصابه بؤس أي شدة . أو هو الذي أصابه ضرّ الحاجة والجوع . و ( الفقير ) ، هو الذي لا شيء له . وقيل : المتعفف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.