الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

{ ألم يروا } يعني هؤلاء الكفار { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } من جيل وأمة { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } أعطيناهم من المال والعبيد والأنعام ما لم نعطكم { وأرسلنا السماء } المطر { عليهم مدرارا } كثير الدر وهو إقباله ونزوله بكثرة { فأهلكناهم بذنوبهم } بكفرهم { وأنشأنا } أوجدنا { من بعدهم قرنا آخرين } وهذا احتجاج على منكري البعث

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

ولما أخبر بتكذيبهم على هذا الوجه وتوعدهم{[28595]} بتحتم تعذيبهم{[28596]} ، أتبعه ما يجري مجرى الموعظة والنصيحة ، فعجب من تماديهم مع ما علموا من إهلاك من كان أشد منهم قوة وأكثر جمعاً وجنى{[28597]} من سوابغ النعم بما لم{[28598]} يعتبروه فيه مع ما ضموه إلى تحقق{[28599]} أخبارهم من مشاهدة آثارهم وعجيب اصطناعهم في أبنيتهم وديارهم مستدلاً بذلك على تحقيق ما قبله من التهديد على الاستهزاء ، فقال مقرراً منكراً موبخاً معجباً : { ألم يروا } ودل على كثرة المخبر عنهم تهويلاً للخبر بقوله : { كم أهلكنا )

ولما كان المراد ناساً معينين لم يستغرقوا زمن القبل ، وهم أهل المكنة الزائدة كقوم نوح وهود وصالح ، أدخل الجار فقال : { من قبلهم } وبيَّنَ { كم } بقوله : { من قرن } أي جماعة مقترنين في{[28600]} زمان واحد ، وهم{[28601]} أهل كل مائة سنة - كما صححه القاموس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لغلام{[28602]} : " عش قرناً " ، فعاش مائة . {[28603]}هذا نهاية القرن ، والأقرب{[28604]} أنه لا يتقدر ، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل : انقضى القرن ، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله : { مكناهم } أي ثبتناهم بتقوية الأسباب{[28605]} من البسطة{[28606]} في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة{[28607]} في الأموال { في الأرض } أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم ، ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة{[28608]} { ما لم نمكن } أي تمكيناً لم نجعله { لكم } أي نخصكم به ، فالآية من الاحتباك أو شبهه ، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس{[28609]} الحال ، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول و{[28610]} الفاضل ، ولا يُبقي اللبس التعبيرُ بالماضي{[28611]} في قوله { وأرسلنا السماء } أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب { عليهم } . ولما كان المراد المطر ، كان التقدير : حال كونه { مدراراً } أي ذا سيلان غزير{[28612]} متتابع لأنه صفة مبالغة من الدر ، قالوا : ويستوي فيه المذكر والمؤنث .

ولما ذكر نفعهم بماء السماء ، وكان غير دائم ، أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال : { وجعلنا الأنهار تجري } ولما كان عموم الماء بالأرض{[28613]} وبُعده مانعاً من تمام الانتفاع بها ، أشار إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال : { من تحتهم } أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نَبَعَ منها من{[28614]} الماء ما يجري منه نهر .

ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي ، فكان من أظهر الأشياء أنه غزر نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم ، فكثرت زروعهم وثمارهم ، فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم ، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلاّ لهوانهم استدراجاً لهم بقوله مسبباً عن ذلك : { فأهلكناهم } أي بعظمتنا { بذنوبهم } أي التي كانت عن بطرهم{[28615]} النعمةَ ولم نبال بهم و{[28616]}لا أغنت{[28617]} عنهم نعمهم .

ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفاً من الاحتياج إلى مثله ، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال : { وأنشأنا } ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد ، أدخل الجار فقال : { من بعدهم } أي فيما كانوا فيه { قرناً } ودل على أنه لم يُبق من المهلكين أحداً ، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع{[28618]} إليهم بنسب{[28619]} بقوله : { آخرين } ولم ينقص ملكُنا شيئاً ، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم ، وهذه الآية مثل آية الروم{ أو لم يسيروا في الأرض{[28620]} }[ الروم : 9 ] - الآية ، فتمكينهم{[28621]} هو المراد بالشدة هناك ، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة ، والإهلاكُ بالذنوب هو المراد بقوله{ فما كان الله ليظلمهم }[ الروم : 9 ] و [ التوبة : 70 ] - إلى آخر الآيتين .


[28595]:في ظ: بتحيتهم.
[28596]:في ظ: بتحيتهم.
[28597]:من ظ، وفي الأصل: جنى- كذا.
[28598]:من ظ، وفي الأصل: له.
[28599]:من ظ، وفي الأصل: نعق.
[28600]:سقط من ظ.
[28601]:زيد من ظ.
[28602]:وهو عبد الله بن بشر- كما في البحر المحيط 4/65.
[28603]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28604]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28605]:في ظ: الأشياء.
[28606]:في ظ: البسط.
[28607]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28608]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28609]:من ظ، وفي الأصل: لئلا يلبس.
[28610]:في ظ: من.
[28611]:في الأصل: بالماض، وفي ظ: لما مضى.
[28612]:في ظ: عظيم.
[28613]:من ظ: وفي الأصل: للأرض.
[28614]:زيد من ظ.
[28615]:في ظ: بطونهم.
[28616]:من ظ، وفي الأصل: اعتب- كذا.
[28617]:من ظ، وفي الأصل: اعتب- كذا.
[28618]:سقط من ظ.
[28619]:من ظ، وفي الأصل: مسبب.
[28620]:آية 9.
[28621]:من ظ، وفي الأصل: فتمكنهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

قوله : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } كم ، اسم للعدد في موضع نصب على المفعولية بأهلكنا وليس { يروا } لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما بعده{[1119]} والقرن ، يراد به هنا الجيل من الناس{[1120]} . وهذا تخويف وموعظة من الله للناس عسى أن يكفوا عن الإدبار والجحود ، فتصيخ قلوبهم للحق أو يلينوا لسماع القرآن الحكيم . فقد وعظهم الله وذكرهم بما حل بالأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم من الأمم السابقة الذين أعرضوا عن ملة التوحيد واستكبروا في الأرض بغير الحق فأصابهم من الوبال والخسران ما أصابهم فكانوا عبرة خالدة ماثلة لمن يعتبر .

قوله : { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } أي جعلنا لهم فيها مكانا وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والقدرات ما لم نجعل مثله لكم . أو أعطيناهم وجعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعل لكم يا أهل مكة .

قوله : { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } المراد بالسماء هنا المطر . وقيل : السحاب . والمدرار على وزن مفعال ، للمبالغة ومعناه المغزار ، كثير الصب .

قوله : { وجعلنا الأنهر تجري من تحتهم } أي من تحت مساكنهم وأشجارهم . والمعنى أن هؤلاء الأقوام السابقين عاشوا في خصب وسعة ورخاء ؛ إذ كانوا في بيوتهم الآمنة المكينة وهم تحف بهم الأنهار والأشجار والثمار فعاشوا آمنين منعمين .

لكنهم لفسقهم وعتوهم وتكذيبهم لرسل الله أخذهم الله بالعذاب البئيس . فحقيق بكم أنتم يا أهل مكة ، وأنتم الأقل منهم حظا والأضعف منهم في الكثرة والسعة في الأموال والأجساد ، أن تتعضوا وترعووا لتثوبوا إلى الحق والامتثال لأمر الله .

قوله : { فأهلكناهم بذنوبهم } الفاء للتعقيب . أي فكفروا فأهلكناهم . والباء للسببية . أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب عتوهم واستكبارهم وما قارفوه من الذنوب والخطايا في حق النبيين والمرسلين ، إذ آذوهم وكذبوهم . فالذنوب سبب لزوال النعم وغير ذلك من وجوه الانتقام .

قوله : { وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين } بعد أن أهلك الله أولئك الظالمين المكذبين أوجد بدلا منهم قوما آخرين . فالله تعالى لا يعجزه أن يهلك مثل هؤلاء المكذبين الجاحدين . وإنما يهلكهم إهلاكا ليأتي بآخرين بدلا منهم ، فاحذروا أنتم يا مشركي مكة أن يحل عليكم من الهلاك ما حاق بالسابقين من قبلكم بسبب جحودهم وتكذيبهم{[1121]} .


[1119]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 314.
[1120]:- المصباح المنير ج 2 ص 158.
[1121]:- روح المعاني ج 7 ص 92-95 وتفسير البيضاوي ص 169 والكشاف ج 2 ص 5.