{ وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } يعني الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها { وذكر به } وعظ بالقرآن { أن تبسل نفس بما كسبت } تسلم للهلكة وتحبس في جهنم فلا تقدر على التخلص ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن إسلام الجانين بجناياتهم لعلهم يخافون فيتقون { وإن تعدل كل عدل } يعني النفس المبسلة تفد كل فداء يعني تفد بالدنيا وما فيها { لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أسلموا للهلاك { لهم شراب من حميم } وهو الماء الحار
ولما أبرز هذا الأمر في صيغة النهي ، أعاده بصيغة الأمر اهتماماً به{[29961]} وتأكيداً له ، وأظهر لهم وصفاً آخر هو غاية الوصف الأول مع ما ضم إليه من الإرشاد إلى الإنقاذ من المعاطب{[29962]} فقال : { وذر } أي اترك{[29963]} أي ترك كان{[29964]} ولو كان على أدنى الوجوه { الذين اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم في اتباع الهوى بمخالفة العقل المستقيم والطبع الفطري السليم بأن أخذوا { دينهم } على نمط الأسخف من دنياهم ؛ ولما كان الدين ملكة راسخة في النفس ، {[29965]} ولا شيء{[29966]} من كيفيات النفس أرسخ منها ولا أثبت ، وهو أشرف ما عند الإنسان ، وكان اللعب ضده لا شيء أسرع من انقضائه ولا أوهى من بنائه ، قال ذامّاً{[29967]} لهم بأنهم بدلوا مقصود هذه السورة - الذي هو من الاستدلال على التوحيد الذي لا أشرف منه مطلقاً ولا أعلى ولا أنفس بوجه ولا أحلى - بما لا أدنى منه ولا أوهى ولا أمحق للمروءة ولا أدهى{[29968]} : { لعباً } ولما كان ربما قيل : إنهم إذا انقضى اللعب عادوا إلى الاشتغال بالدين ، أتبعه الباعث عليه إشارة إلى أنه كلما ملوا اللعب بعثوا النفوس إليه باللهو كما ترى الراقص كلما فتر في رقصه بعثوه عليه بتقوية اللهو أو الانتقال من فن إلى آخر من فنونه وشأن بديع من شؤونه{[29969]} فقال{[29970]} : { ولهواً } أي{[29971]} في الاستهزاء بالدين الحق{[29972]} بالمكاء والتصدية وبالبحائر والسوائب وغير ذلك ، فلا تبال بهم ولا يشغل قلبك بهم{[29973]} { وغرتهم } أي خدعتهم { الحياة الدنيا } التي هم من أعرف الناس بزوالها ، وأن كل من بها هالك ، فمنَتْهم النعم التي منَّ عليهم سبحانه بها فيما لا ينالونه من السعادة إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه .
ولما كان ربما أفهم ذلك تركهم في كل حالة ، نفاه بقوله : { وذكر به } أي تحديث{[29974]} الآيات ، وهي القرآن المتجدد إنزاله ، والضمير في الحقيقة للآيات ، أي دعهم{[29975]} يفعلوا ما أرادوا ، لا تبال بشيء{[29976]} من ذلك ، ولا تترك{[29977]} وعظّهم بهذا القرآن ، أي ما عليك إلا البلاغ ، لم نكلفك{[29978]} في هذه الحالة أكثر{[29979]} منه { أن تبسل } قال في المجمل : البسل : النخل{[29980]} ، وأبسلته : أسلمته للهلكة{[29981]} ، فالمعنى : كراهة أن تخلي وتسلم { نفس بما } أي بسبب ما { كسبت } في دنياها كائنة { ليس لها من دون الله } أي المنفرد بالعظمة { ولي } أي يتولى نصرها{[29982]} { ولا شفيع } ينقذها بشفاعته .
ولما كان الفداء من اسباب الخلاص قال : { وإن تعدل } أي تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك { كل عدل } أي كل شيء يظن أنه يعدلها ولو{[29983]} كان أنفس{[29984]} شيء ؛{[29985]} " ولما{[29986]} " كان الضار عدم الأخذ ، لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله : { لا يؤخذ منها } ولما أنتج{[29987]} ذلك قطعاً أن من هذا حاله هالك ، قال : { أولئك } أي الذين عملوا{[29988]} هذه الأعمال البعيدة عن الخير { الذين أبسلوا } أي أسلموا { بما كسبوا } ثم استأنف قوله{[29989]} : { لهم شراب من حميم } أي هو في غاية الحر يصهر به ما في بطونهم ، بما اعتقدوا في الآيات ما ظهر على ألسنتهم { وعذاب أليم } أي يعم دائماً ظواهرهم وبواطنهم بما ظهر عليهم من ذلك بعد ما بطن { بما } أي بسبب ما { كانوا يكفرون * } أي يجددون{[29990]} من تغطية الآيات .
قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عن هؤلاء الظالمين الأشقياء الذين اتخذوا دين الله لهوا ولعبا ، إذ يسخرون من آيات الله ويستهزئون بتعاليم الإسلام . وهؤلاء صنف من البشر الفاسد المغرور الذي يعشق كراهية الإسلام ويجيد صنعة الطعن في الإسلام وإيذائه بمختلف الأساليب . وهو في ذلك كله سادر مغرور ، غرته الحياة الدنيا بسرابها الخادع فغار في ظلامها هائما تائها . فهؤلاء المجرمون المناكيد أعرض عنهم يا محمد فإن الله لهم بالمرصاد وهو إنما يملي لهم حتى إذا جاء أجل عقابهم أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر . وقيل : هذه نسخت بما أنزله في سورة براءة { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .
قوله : { وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت } الضمير في { به } يعود للقرآن . أي ذكر بهذا القرآن هؤلاء المعرضين عن دين الله { أن تبسل نفس بما كسبت } تبسل بمعنى تسلم للهلكة . أبسله : أسلمه للهلكة فهو مبسل { أن تبسل } يعني لئلا تبسل . أو كراهة أن تبسل . فيكون المعنى . وذكر بالقرآن هؤلاء الخائضين في آيات الله بالطعن والتهكم ، وكذلك غيرهم من الأشرار الذين سلكوا سبيلهم في الخوض والطعن كيلا تسلم أو تحبس نفس كل واحد من هؤلاء المشركين للعذاب بما كسبت من الكفر ومعاداة الإسلام .
قوله : { ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } عندما تفضي هذه النفس المجرمة إلى مصيرها في النار ، ليس لها حينئذ من أحد فينجيها سوى الله ، ولا شفيع يشفع لها فيفقذها مما حل بها من العذاب .
قوله : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } العدل ، الفداء . أي لو جيء بملء الأرض فداء لهذه النفس الهالكة تنجية لها من عذاب الله لا ينفعها ذلك ولا يقبل منها .
قوله : { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } اسم الإشارة عائد إلى الخائضين الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا . وهم الذين أبسلوا ، أي هلكوا وأفضوا إلى ما قدموه في الدنيا من خوض واستسخار فكان مصيرهم النار .
قوله : { لهم شراب من حميم وعذاب أليم } الحميم : الماء الحار . استحم أي اغتسل بالحميم . هذا هو الأصل ثم صار كل اغتسال استحماما بأي ماء كان{[1198]} وذلك استئناف يفسر كيفية الإبسال . وهو أن هؤلاء المجرمين الخائضين سوف يبوءون بالعذاب الشديد . ومن جملته أن يسقوا ماء حارا تتقطع به أمعاؤهم ولا يطفئ لهم غلة . ويضاف إلى ذلك أصناف أخرى من العذاب غير المذكورة . وعدم ذكرها يزيد من شدة الخوف والترغيب . وذلك في قوله : { وعذاب أليم } .
قوله : { بما كانوا يكفرون } أي بسبب كفرهم وعنادهم في الدنيا ، إذ كانوا معادين لدين الله وصادين الناس عنه وخائضين فيه خوض المجرمين المعاندين الحاقدين{[1199]} .