الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (41)

{ انفروا خفافا وثقالا } شبابا وشيوخا { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم } من التثاقل إلى الأرض { إن كنتم تعلمون } ما لكم من الثواب والجزاء

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (41)

ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبلغاً هيأها به للقبول ، أقبل عليها سبحانه بالأمر فقال : { انفروا خفافاً وثقالاً } والمراد بالخفة كل ما يكون سبباً لسهولة الجهاد والنشاط إليه ، وبالثقل كل ما يحمل على الإبطاء عنه ؛ وقال أبو حيان : والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن{[36352]} يمكنه بصعوبة ، وأما من{[36353]} لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا - انتهى . قال البغوي : قال الزهري : خرج سعيد بن المسيب رحمه الله للغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل صاحب ضرر فقال : استنفر{[36354]} الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكن {[36355]} الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ؛ وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي الله عنهما قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : لا أرى ربي يستنفرني{[36356]} شاباً وشيخاً ! جهزوني ، فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فما تغير{[36357]} ، { وجاهدوا } أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار .

ولما كانت هذه الآية في{[36358]} سياق المعاتبة {[36359]}لمن تثاقل{[36360]} إلى الأرض عن الجهاد عند الاستنفار في غزوة تبوك ، وكان سبب التثاقل ما كان في ذلك الوقت من العسرة في المال والشدة بالحر وما كان من طيب الظلال في أراضي الجنان وقت الأخذ في استواء الثمار - كما هو مشهور في السير ؛ اقتضى المقام هنا تقديم المال والنفس بخلاف ما مضى فإن الكلام كان في المفاضلة بين الجهاد في سبيل الله وخدمة البيت ومن يحجه في هذه السورة التي صادف وقت نزولها بعد مواطن الجهاد وطول المفارقة للأموال ، والأولاد وقدم المال لأن النظر إليه من وجهين : قلته ، ومحبة الإقامة في الحدائق إيثاراً للتمتع بها وخوفاً من ضياعها مع أن بها قوام الأنفس ، فصار النظر إليها هو الحامل على الشح بالأنفس فقال تعالى : { بأموالكم وأنفسكم } أي بهما معاً على{[36361]} ما أمكنكم أو بأحدهما { في سبيل الله } أي الملك الأعلى أي{[36362]} حتى لا يبقى منه مانع { ذلكم } أي الأمر العظيم { خير } أي في نفسه حاصل { لكم } أي خاص بكم ، ويجوز أن يكون أفعل تفضيل بمعنى أن عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كائناً ما كان ، كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله : هل يمكن بلوغ درجة المجاهد ؟ فقال : هل تستطيع {[36363]}أن تقوم{[36364]} فلا تفتر وتصوم فلا تفطر{[36365]} ؟ وختم الآية بقوله : { إن كنتم تعلمون* } إشارة إلى أن هذا الأمر وإن كان عاماً فإنما ينتفع{[36366]} به ذوو الأذهان الصافية والمعالم الوافية ، فإن العلم - ولا يعد علماً إلا النافع - يحث على العمل وعلى إحسانه بإخلاص النية وتصحيح المقاصد وتقوية العزم وغير ذلك وضده يورث ضده .


[36352]:من البحر المحيط 5/44، وفي الأصل وظ: لم.
[36353]:في ظ: ما.
[36354]:من ظ ومعالم التنزيل ـ راجع لباب التأويل 3/83، وفي الأصل: استغفر.
[36355]:من المعالم، وفي الأصل وظ: لم يمكن.
[36356]:من ظ ومجمع الزوائد 9/312، وفي الأصل: يسفوني ـ كذا.
[36357]:وهذا الحديث قد أورده الهيثمي في زوائده برواية أبي يعلى مع زيادة على ما هنا.
[36358]:في ظ: من.
[36359]:من ظ، وفي الأصل: لما يتثاقل.
[36360]:من ظ، وفي الأصل: لما يتثاقل.
[36361]:سقط من ظ.
[36362]:زيد من ظ.
[36363]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36364]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36365]:راجع صحيح البخاري ـ كتاب الجهاد.
[36366]:في ظ: ينفع.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (41)

قوله تعالى : { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } { خفافا وثقالا } ، منصوب على الحال{[1788]} . ذلك تحريض بالغ على رفض العدوان والظلم أن يصيب المسلمين فيؤذيهم أو يذلهم . إنه تحريض قائم مجلجل يهتف بالمسلمين في كل مكان وزمان لكي يرفضوا الضيم لأنفسهم فيدرأوه درءا ويدفعوه بكل الأسباب من غير تردد في ذلك ولا نكوص .

إن على المسلمين –بناء على هذه الآية ونظائرها من الآيات في هذا الصدد- أن يلتئموا جميعا ليكونوا يدا واحدة على من سواهم من المعتدين المتربصين الذين يتحرشون بالمسلمين ليطغوا عليهم أو يبيدوهم إبادة . وليس أدل على التحريض البالغ لصد المعتدين من هذا القول الرباني الهاتف المؤثر { انفروا خفافا وثقالا } فقد أمر الله المسلمين بالنفر في أحوال والثقل ليجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم . وتأويل الخفة والثقال هنا موضع خلاف ؛ فقد قيل : المراد بالخفة هنا الشباب . أما الثقل فيراد به الشيخوخة ؛ أي انفروا شيبا وشبانا ، أو شيوخا وشبانا ، أو كهولا وشبانا . وقيل : أغنياء وفقراء . وقيل : نشاطا وغير نشاط . وقيل : ركبانا ومشاة . وقيل : مشاغيل وغير مشاغيل .

قوله : { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } يعني هذا الذي أمرتكم به من النفر في سبيل الله خفافا وثقالا للقاء العدو مجاهدين بأموالكم وأنفسكم لهم أنفع لكم من الركون للاسترخاء والدعة والنكول عن الجهاد { عن كنتم تعلمون } إن كنتم تعون وتدركون أهمية الجهاد في سبيل الله وفداحة الخطر الداهم الذي سيحيق بكم إذا نكلتم وتقاعستم عن الجهاد{[1789]} .


[1788]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 401.
[1789]:تفسير الطبري جـ 10 ص 98 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 150.