{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } أي أنصارا وأعوانا من غير المؤمنين وسواهم ، نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يباطنون اليهود أي يألفونهم ويوالونهم { ومن يفعل ذلك } الاتخاذ { فليس من الله في شيء } أي من دين الله أي قد برىء من الله وفارق دينه ثم استثنى فقال { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي تقية هذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار وخافهم على ماله ونفسه فله أن يخالفهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه قال ابن عباس يريد مدارة ظاهرة { ويحذركم الله نفسه } أي يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه يريد عذابه وخصصه بنفسه تعظيما له .
ولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره ، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه ، وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض{[16087]} الدنيا مع العلم ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين{[16088]} من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما{[16089]} قص في سورة الممتحنة إشارة إلى أنه لا تجتمع موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا{[16090]} أوشكت{[16091]} إحداهما أن تغلب على الأخرى{[16092]} فتنزعها ، فقال تعالى منبهاً على ذلك كله سائقاً مساق النتيجة لما قبله - وقال الحرالي : ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر{[16093]} على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره ، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وأظهر{[16094]} إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج ، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد{[16095]} على النفس الأبواب التي منها تتوهم{[16096]} الحاجة إلى الخلق ؛ نهى المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة{[16097]} بعض كفرة{[16098]} أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم ، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء ، والكافرون يتسمعون{[16099]} ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى : { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم{[16100]} }[ آل عمران : 119 ] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته{[16101]} فقال{[16102]} تعالى : { لا يتخذ المؤمنون } أي الراسخون في الإيمان ، وعبر في أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال :
{ الكافرين أولياء } ونبه بقوله : { من دون المؤمنين } على أن ولاية أوليائه من ولايته ، وأن{[16103]} المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد ، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام :
" المؤمن للمؤمن{[16104]} كالبنيان يشد بعضه بعضاً " فأقواهم له ركن ، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي ، فإذا والاه قوى به{[16105]} مما{[16106]} يباطنه ويصافيه{[16107]} ، وإذا اتخذ الكافر ولياً من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين ، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم{[16108]} سباب{[16109]} الجاهلية كما{[16110]} في قوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين{[16111]} }[ آل عمران : 100 ] وكما قال سبحانه وتعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين{[16112]} }[ آل عمران :149 ] ، ولم يمنع سبحانه وتعالى من صلة أرحام من لهم من الكافرين ، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري{[16113]} مجرى المعاملة من البيع والشرى والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل{[16114]} الدين ، ولا يضرهم أن يباروا{[16115]} من لم يحاربهم{[16116]} من الكافرين - انتهى .
{[16117]}ولما كان التقدير : فمن{[16118]} تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم ، لأنه ليس من الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيباً لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ما دون الرسوخ قوله : { ومن يفعل ذلك } أي{[16119]} هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداد بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان مسدولاً على أكثر الخلق { فليس من الله } أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له { في شيء } قال الحرالي : ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى من الذين{[16120]} إذا رؤوا{[16121]} ذكر الله - انتهى .
ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي إلا أن تخافوا منهم أمراً خطراً{[16122]} مجزوماً به ، {[16123]}لا كما{[16124]} خافه نصارى نجران وتوهمه حاطب{[16125]} ، فحينئذ يباح إظهار الموالاة وإن كانت درجة من تصلب{[16126]} في{[16127]} مكاشرتهم{[16128]} وتعزز{[16129]} لمكابرتهم ومكاثرتهم ، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم ! فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم{[16130]} على عدوه ، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم
{ ويحذركم الله } أي الملك الأعظم { نفسه } فإنه عالم بما تفعلونه{[16131]} . وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل ، وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم . وموجود النفس ما تنفس ، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها ، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني ، ويكفيه فلا يكتفي ويريه{[16132]} مصارف{[16133]} سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها ، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها ، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب ، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه{[16134]} فعرفه ، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه{[16135]} فأنكره - انتهى .
ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفاً على نحو ما تقديره : فمن الله المبدأ : - وقال الحرالي : ولما كان الزائل أبداً مؤذناً بترك{[16136]} الاعتماد عليه{[16137]} أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله ، فلا يستطيع{[16138]} الثبات عليه عند{[16139]} ما تناله{[16140]} الإزالة{[16141]} والإذهاب{[16142]} ، ويصير الأمر كله لله ، فأعلم أن المصير{[16143]} المطلق إلى الله سبحانه وتعالى ، فمن تعرف إليه{[16144]} فعرفه نال{[16145]} أعظم النعيم ، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى ؛ فقال - : { وإلى الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { المصير * } أي وإن طال إملاؤه لمن أعرض عنه فيوشك أن ينتقم منه .