{ فقال الملأ الذين كفروا من قومه } وهم الأشراف والرؤساء { ما نراك إلا بشرا مثلنا } إنسانا مثلنا لا فضل لك علينا { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أخساؤنا يعنون من لا شرف لهم ولا مال { بادي الرأي } اتبعوك في ظاهر الرأى وباطنهم على خلاف ذلك { وما نرى لكم } يعنون لنوح وقومه { علينا من فضل } وهذا تكذيب منهم لأن الفضل كله في النبوة { بل نظنكم كاذبين } ليس ما أتيتنا به من الله
{ أراذلنا } جمع أرذل وهم سفلة الناس ، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلا منهم واعتقاد أن الشرف هو بالمال والجاه ، وليس الأمر كما اعتقدوا ، بل المؤمنون كانوا أشرف منهم على حال فقرهم وخمولهم في الدنيا ، وقيل : إنهم كانوا حاكة وحجامين ، واختار ابن عطية أنهم أرادوا أنهم أراذل في أفعالهم لقول نوح وما علمي بما كانوا يعملون .
{ بادي الرأي } أي : أول الرأي من غير نظر ولا تدبير ، و{ بادي } منصوب على الظرفية : أصله وقت حدوث أول رأيهم ، والعامل فيه اتبعوك على أصح الأقوال ، والمعنى : اتبعك الأراذل من غير نظر ولا تشبث ، وقيل : هو صفة لبشرا مثلنا أي : غير مثبت في الرأي .
{ وما نرى لكم علينا من فضل } أي : من مزية وشرف ، والخطاب لنوح عليه السلام ومن معه .
ثم{[39118]} ساق سبحانه جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله : { فقال } أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال ؛ {[39119]}ولما{[39120]} كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال : { الملأ } وبين أن الجدال مع الضلال {[39121]}بعد أن بين{[39122]} أنهم هم الأشراف زيادة في التسلية بقوله : { الذين كفروا } وبين أنهم أقارب أعزة بقوله : { من قومه } أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به { ما نراك } أي شيئاً من الأشياء { إلا بشراً } أي آدمياً { مثلنا } أي في مطلق البشرية ، لست بملك تصلح {[39123]}لما لا تصلح{[39124]} له من الرسالة ، وهذا قول البراهمة ، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق ، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشراً ويجعل الإله حجراً .
ولما كانت العظمة عندهم منحصرة{[39125]} في عظمة الأتباع قالوا : { وما نراك } ولما انفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني ، بينوا أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا : { اتبعك } أي تكلف اتباعك { إلا الذين هم } أي خاصة { أراذلنا } أي كالحائك ونحوه ، وليس منا رذل{[39126]} غيرهم ، وهو جمع أرذل {[39127]}كأكلب جمع رذل{[39128]} ككلب ، والرذل : الخسيس الدنيء ، وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر ؛ قالوا : و { اتبعك } عامل في قوله : { بادي الرأي } وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل ، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين : رذالتهم في أنفسهم ، وأنهم لم يفكروا{[39129]} فيه ، لكن يضعفه إيراد الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة ، فالأحسن إسناده - كما قالوه{[39130]} أيضاً - إلى أراذل . أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره عليهم أنهم سفلة أسقاط ، ويجوز أن يكون المراد " بادي رأيك " أي{[39131]} أنك تظن أنهم اتبعوك ، ولم يتبعوك .
ولما كانوا لا يعظمون إلا بالتوسع في الدنيا ، قالوا : { وما نرى لكم } أي لك ولمن تبعك { علينا } وأغرقوا في النفي بقولهم{[39132]} : { من فضل } أي شرف ولا مال ، وهذا - مع مامضى من قولهم - قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق ، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقاً بعظمة متبعه في الدنيا ، وعلى كونه باطلاً بحقارته فيها ، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون : لو صح كون النبوة في البشر لكانت{[39133]} في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض ، وعمل { اتبعك } في { بادي{[39134]} } يمنعه تمادي الاتباع على الإيمان ، فانتفى الطعن بعدم التأمل { بل نظنكم كاذبين* } أي لكم هذا الوصف لازماً دائماً لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه ؛ فكان {[39135]}داؤهم بطر{[39136]}
الحق وغمط{[39137]} الناس ، وهو احتقارهم ، {[39138]}وهذا{[39139]} قد سرى إلى أكثر{[39140]} أهل الإسلام ، فصاروا لا يعظمون إلا بذلك ، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت{[39141]} للتزهيد في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه ! وهذا أفظع مما حكى هنا من قوله قريش { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك{[39142]} } وأبشع ؛ والبشر : الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من الحيوان سترها{[39143]} بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش ؛ والمثل : الساد مسد غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده ؛ {[39144]}والرذل : الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه{[39145]} ؛ والفضل : الزيادة من الخير ، والإفضال : مضاعفة الخير{[39146]} التي توجب الشكر
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.