{ ومن الناس من يعجبك قوله } الآية يعني الأخنس بن شريق وكان منافقا حلو الكلام حسن العلانية سيىء السريرة وقوله { في الحياة الدنيا } لأن قوله إنما يعجب الناس في الحياة الدنيا ولا ثواب له عليه في الآخرة { ويشهد الله على ما في قلبه } لأنه كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم والله إني بك لمؤمن ولك محب { وهو ألد الخصام } أي شديد الخصومة وكان جدلا بالباطل
{ من يعجبك } الآية قيل : نزلت في الأخنس بن شريق ، فإنه أظهر الإسلام ، ثم خرج فقتل دواب المسلمين وأحرق لهم زرعا ، وقيل : في المنافقين ، وقيل : عامة في كل من كان على هذه الصفة { في الحياة } متعلق بقوله { يعجبك } : أي يعجبك ما يقول في أمر الدنيا ، ويحتمل أن يتعلق بيعجبك { ويشهد الله } أي : يقول : الله أعلم إنه لصادق .
ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب{[8988]} في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود{[8989]} فلم يذكره والراغب في الآخرة فقط ، وكل من الأقسام تارة يكون مسرّاً{[8990]} وتارة يكون معلناً وكان المحذور{[8991]} منها - {[8992]}إنما هو المسر{[8993]} لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر{[8994]} التقوى والحشر ليكون مصدوعاً بادىء بدء{[8995]} بذلك الأمر مقصوداً بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك{[8996]} الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال : { ومن الناس من{[8997]} } أي شخص أو الذي{[8998]} { يعجبك }{[8999]} أي يروقك{[9000]} ويأخذ بمجامع قلبك{[9001]} أيها المخاطب { قوله } كما ذكرنا أول السورة أنه يخادع ، ويعجب{[9002]} من الإعجاب وهو من العجب وهو كون الشيء خارجاً عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة{[9003]} في صنعه - قاله الحرالي .
{[9004]}وقال الأصبهاني : حالة تغشى{[9005]} الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب ، وعن الراغب أنه قال : وليس هو شيئاً له في ذاته حالة{[9006]} بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب{[9007]} ومن لا يعرفه ، وحقيقة أعجبني كذا : ظهر{[9008]} لي ظهوراً لم{[9009]} أعرف سببه .
ولما كان{[9010]} ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو{[9011]} الإعجاب واقعاً في تلك الحالة قيده بقوله{[9012]} : { في } أي الكائن في { الحياة الدنيا{[9013]} } لا يزداد{[9014]} في طول مدته فيها إلا تحسيناً لقوله وتقبيحاً لما{[9015]} يخفى من فعله و {[9016]}{[9017]}أما في الآخرة{[9018]} فكلامه غير حسن ولا معجب{[9019]} { ويشهد الله } المستجمع لصفات الكمال { على ما في قلبه } أنه مطابق لما أظهره{[9020]} بلسانه { وهو } أي والحال أنه { ألدّ الخصام * } أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه{[9021]} لكل شيء من خصامه وجهاً يصرفه عما أراد به من القباحة{[9022]} إلى{[9023]} الملاحة ، واللدد{[9024]} شدة الخصومة ، والخصام القول الذي يسمع{[9025]} المصيح{[9026]} و{[9027]}يولج في صماخه ما يكفه{[9028]} عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي{[9029]} . {[9030]}وقال الأصبهاني : هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل الخصام ألد على المبالغة - انتهى{[9031]} .