{ وابتلوا اليتامى } أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم { حتى إذا بلغوا النكاح }
أي حال النكاح من الاحتلام { فإن آنستم } أبصرتم { منهم رشدا } صلاحا للعقل وحفظا للمال { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } أي لا تبادروا بأكل مالهم كبرهم ورشدهم حذر أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم { ومن كان غنيا } من الأوصياء { فليستعفف } عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئا { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } يقدر أجرة عمله { فإذا دفعتم } أيها الأولياء { إليهم } إلى اليتامى { أموالهم فأشهدوا عليهم } لكي إن وقع اختلاف أمكن الولي أن يقيم البينة على رد المال إليه { وكفى بالله حسيبا } محاسبا ومجازيا للمحسن والمسيء
{ وابتلوا اليتامى } أي : اختبروا رشدهم .
{ بلغوا النكاح } بلغوا مبلغ الرجال { فإن آنستم منهم رشدا } الرشد هو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله ، وإن لم يكن من أهل الدين ، واشترط قوم الدين ، واعتبر مالك البلوغ والرشد ، وحينئذ يدفع المال واعتبر أبو حنيفة البلوغ وحده ما لم يظهر سفه ، وقوله مخالف للقرآن .
{ وبدارا أن يكبروا } ومعناه مبادرة لكبرهم أي أن الوصي يستغنم أكل مال اليتيم قبل أن يكبر وموضع أن يكبروا نصب على المفعولية ب{ بدارا } أو على المفعول من أجله تقديره مخافة أن يكبروا .
{ فليستعفف } أمر الوصي الغني أن يستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئا .
{ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } الوصي الفقير من مال اليتيم ، فإذا أيسر رده ، وقيل : المراد أن يكون له أجرة بقدر عمله وخدمته ، ومعنى بالمعروف من غير إسراف ، وقيل : نسختها :{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما }[ النساء :10 ] { فأشهدوا عليهم } أمر بالتحرز والحرز ندب ، وقيل : فرض .
ولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاماً كانا أو{[20566]} غيرهم ، بين{[20567]} أنه ليس دائماً بل ما{[20568]} دام السفه قائماً{[20569]} ، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع ، ولما كان السفه أمراً باطناً لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال ؛ بدأ{[20570]} سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلى معرفته فقال مصرحاً بالأيتام اهتماماً بأمرهم : { وابتلوا اليتامى } أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم { حتى إذا بلغوا النكاح } أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو{[20571]} السن { فإن آنستم } أي علمتم علماً{[20572]} أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه{[20573]} على وجه تحبونه وتطيب أنفسكم به { منهم } أي عند بلوغه { رشداً } أي بذلك التصرف ، ونكره لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه { فادفعوا إليهم أموالهم } أي لزوال الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير ، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولاً إلى المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن{[20574]} التصرف فيها .
ولما كان الإنسان مجبولاً على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط ، لا سيما إن حصل له إذن ما{[20575]} ؛ أدبه سبحانه بقوله : { ولا تأكلوها } أي بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها { إسرافاً } أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة { وبداراً } أي مبادرين { أن يكبروا } أي فيأخذوها منكم عند {[20576]}كبرهم فيفوتكم{[20577]} الانتفاع بها ، وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في الأقوال
" ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " .
ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة ، أفصح به في قوله : { ومن كان } أي منكم{[20578]} أيها الأولياء { غنياً فليستعفف } أي يطلب العفة ويوجدها{[20579]} ويظهرها عن الأكل منها جملة ، فيعف{[20580]} عنه بما بسط الله له{[20581]} {[20582]}من رزقه{[20583]} { ومن كان فقيراً } وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه{[20584]} ، ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه ، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبراً بالأكل لأنه معظم المقصود : { فليأكل بالمعروف } أي بقدر{[20585]} أجرة{[20586]} سعيه .
ولما كان ذلك ربما أفهم{[20587]} الأمان{[20588]} إلى الرشد{[20589]} بكل اعتبار ، أمر بالحزم - كما في الطبراني{[20590]} الأوسط عن أنس " احترسوا من الناس{[20591]} بسوء الظن " - فقال : { فإذا دفعتم إليهم } أي اليتامى { أموالهم } أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم{[20592]} عن حفظها { فأشهدوا عليهم } أي احتياطاً{[20593]} لأن الأحوال تتبدل ، والرشد يتفاوت ، فالإشهاد أقطع للشر{[20594]} ، وأنفع في كل أمر ، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة ، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة{[20595]} عف غاية العفة ، واحترز غاية الاحتراز .
ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس ، وكان الحب{[20596]} للشيء{[20597]} يعمي ويصم ؛ ختم الآية بقوله : { وكفى بالله } أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها ، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازاً - كما إذا أمرنا{[20598]} بالفعل مثلاً { حسيباً * } أي محاسباً بليغاً في الحساب ، فهو أبلغ تحذيراً{[20599]} لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومدّ العين إلى حق الغير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.