{ بلى } تصدق لوعد الله { إن تصبروا } على لقاء العدو { وتتقوا } معصية الله ومخالفة النبي عليه السلام { ويأتوكم من فورهم } قيل من وجههم وقيل من غيظهم { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } معلمين وكانت الملائكة قد سومت يوم بدر بالصوف الابيض في نواصي الخيل واذنابها ثم صبر المؤمنون يوم بدر فأمدوا بخمسة الاف من الملائكة
وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت ، ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان شهيد بدر : لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشِّعْب{[3439]} الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أمتري . رواه عقيل عن الزهري عن أبي حازم سلمة بن دينار . قال ابن أبي حاتم : لا يعرف للزهري عن أبي حازم غير هذا الحديث الواحد ، وأبو أسيد يقال إنه آخر من مات من أهل بدر ، ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره . وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تَهْلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعْبَد في الأرض ) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عز وجل : " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " {[3440]} [ الأنفال : 9 ] فأمده الله تعالى بالملائكة . قال أبو زُمَيْل{[3441]} : فحدثني ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول : أقدِمْ حيزوم{[3442]} ، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفه وشق وجهه كضربة السوط{[3443]} فاخضر ذلك أجمع . فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين . وذكر الحديث . وسيأتي تمامه في آخر " الأنفال " {[3444]} إن شاء الله تعالى .
فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور ، والحمد لله . وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم ) ؟ فقال جبريل : ( يا محمد ما كل أهل السماء أعرف ) . وعن علي رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال : بينا أنا أمتح{[3445]} من قليب بدر جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط ، ثم ذهبت ، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط إلا التي كانت قبلها . قال : وأظنه ذكر : ثم جاءت ريح شديدة ، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر عن يمينه ، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة . وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال : لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه . وعن الربيع بن أنس قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به ، ذكر جميعه البيهقي رحمه الله . وقال بعضهم : إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة ؛ لأن كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع ، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود : أنت قتلتني ؟ ! إنما قتلني الذي لم يصل سناني إلى سُنْبُك فرسه{[3446]} وإن اجتهدت . وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين ، ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة ، فكل عسكر صبر واحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم . وقال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عددا أو مددا . وقال بعضهم : إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون ، ويكثرون{[3447]} الذين يقاتلون يومئذ ، فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر{[3448]} وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت ، والأول أكثر . قال قتادة : كان هذا يوم بدر ، أمدهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف ، فذلك قوله تعالى : " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " {[3449]} وقوله : " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين " [ آل عمران : 124 ] وقوله : " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " [ آل عمران : 125 ] فصبر المؤمنون يوم بدر واتقوا الله فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم ، فهذا كله يوم بدر . وقال الحسن : فهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءٌ{[3450]} للمؤمنين إلى يوم القيامة . قال الشعبي : بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ، فأنزل الله تعالى : " ألن يكفيكم إلى قوله : مسومين " فبلغ كرزا الهزيمة فلم يمدهم ورجع ، فلم يمدهم{[3451]} الله أيضا بالخمسة آلاف ، وكانوا قد مدوا بألف . وقيل : إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته ، واتقوا محارمه أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها ، فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلا في يوم الأحزاب ، فأمدهم حين حاصروا قريظة . وقيل : إنما كان هذا يوم أحد ، وعدهم الله المدد إن صبروا ، فما صبروا فلم يمدهم بملك واحد ، ولو أمدوا لما هزموا ، قاله عكرمة والضحاك . فإن قيل : فقد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يوم بدر{[3452]} رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد . قيل له : لعل هذا مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، خصه بملكين يقاتلان عنه ، ولا يكون هذا إمدادا للصحابة . والله أعلم .
الثانية : نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى ، وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به ، فهو الناصر بسبب وبغير سبب ، " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " {[3453]} [ يس : 82 ] . ولكن أخبر بذلك ليمتثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل ، " ولن تجد لسنة الله تبديلا " {[3454]} [ الأحزاب : 62 ] ، ولا يقدح ذلك في التوكل . وهو رد على من قال : إن الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء لا للأقوياء ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء ، وهذا واضح . و " مد " في الشر و " أمد " في الخير . وقد تقدم في البقرة{[3455]} . وقرأ أبو حيوة " منزلين " بكسر الزاي مخففا ، يعني منزلين النصر . وقرأ ابن عامر مشددة الزاي مفتوحة على التكثير . ثم قال : " بلى " وتم الكلام . " إن تصبروا " شرط ، أي على لقاء العدو . " وتتقوا " عطف عليه ، أي معصيته . والجواب " يمددكم " . ومعنى " من فورهم " من وجههم . هذا عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع والسدي وابن زيد . وقيل : من غضبهم ؛ عن مجاهد والضحاك . كانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا . وأصل الفور القصد إلى الشيء والأخذ فيه بجد ، وهو من قولهم : فارت القدر تفور فورا وفورانا إذا غلت . والفور الغليان . وفار غضبه إذا جاش . وفعله من فوره أي قبل أن يسكن . والفوّارة ما يفور من القدر . وفي التنزيل " وفار التنور " {[3456]} { هود : 40 ] . قال الشاعر : تفور علينا قدرهم فنديمها
الثالثة : قوله تعالى : " مسومين " بفتح الواو اسم مفعول ، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع . أي معملين بعلامات . و " مسومين " بكسر الواو اسم فاعل ، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير وعاصم ، فيحتمل من المعنى ما تقدم ، أي قد أعلموا أنفسهم بعلامة ، وأعلموا خيلهم . ورجح الطبري وغيره هذه القراءة . وقال كثير من المفسرين : مسومين أي مرسلين خيلهم في الغارة . وذكر المهدوي هذا المعنى في " مسومين " بفتح الواو ، أي أرسلهم الله تعالى على الكفار . وقاله ابن فورك أيضا . وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة ، فروى عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما أن الملائكة اعتمت بعمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ، ذكره البيهقي عن ابن عباس وحكاه المهدوي عن الزجاج . إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء على مثال الزبير بن العوام ، وقاله ابن إسحاق . وقال الربيع : كانت سمياهم أنهم كانوا على خيل بُلْق .
قلت : ذكر البيهقي عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال : لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون . فقوله : " معلمين " دل على أن الخيل البلق ليست السيما . والله أعلم . وقال مجاهد : كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن{[3457]} . وروي عن ابن عباس : تسومت الملائكة يوم بدر بالصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها . وقال عباد بن عبد الله بن الزبير وهشام بن عروة والكلبي : نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم . وقال ذلك عبد الله وعروة ابنا الزبير . وقال عبد الله : كانت ملاءة صفراء اعتم بها الزبير رضي الله عنه . قلت : ودلت الآية
وهي الرابعة : على اتخاذ الشارة{[3458]} والعلامة للقبائل والكتائب يجعلها السلطان لهم ؛ لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها عند الحرب ، وعلى فضل الخيل البلق لنزول الملائكة عليها . قلت : - ولعلها نزلت عليها موافقة لفرس المقداد ، فإنه كان أبلق ولم يكن لهم فرس غيره ، فنزلت الملائكة على الخيل البلق إكراما للمقداد ، كما نزل جبريل معتجرا{[3459]} بعمامة صفراء على مثال الزبير . والله أعلم . دلت الآية أيضا-
وهي الخامسة : على لباس الصوف وقد لبسه الأنبياء والصالحون . وروى أبو داود وابن ماجه واللفظ له عن أبي بردة عن أبيه قال : قال لي أبي : لو شهدتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء لحسبت أن ريحنا ريح الضأن . ولبس صلى الله عليه وسلم جبة رومية من صوف ضيقة الكمين ، رواه الأئمة . ولبسها يونس عليه السلام ، رواه مسلم . وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في " النحل " {[3460]} إن شاء الله تعالى .
السادسة : قلت : وأما ما ذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مجزوزة الأذناب والأعراف فبعيد ؛ فإن في مصنف أبي داود عن عتبة بن عبدٍ السلمي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير ) . فقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة . والله أعلم .
ودلت الآية على حسن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك ، وقد قال ابن عباس : من لبس نعلا أصفر قضيت حاجته . وقال عليه السلام : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفنوا فيه موتاكم وأما العمائم فتيجان العرب ولباسها ) . وروى ركانة - وكان صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم - قال ركانة : وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس ) أخرجه أبو داود . قال البخاري{[3461]} : إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض .
قوله : ( بلى ) إيجاب لما بعد ( لن ) . يعني بل يكفيكم الإمداد فأوجب الكفاية . قم قال : ( إن تصبروا وتتقوا ) يمددكم بأكثر من ذلك العدد مسومين للقتال .
قوله : ( ويأتونكم من فورهم هذا ) يعني والمشركون يأتونكم من فورهم هذا أي من ساعتهم هذه وعندئذ ( يمددكم ) ربكم بالملائكة في حال إتيان المشركين وإمداده سيكون بأكثر من الثلاثة آلاف بل هو خمسة آلاف .
وقوله : ( مسوّمين ) صفة للملائكة ، أي معلمين أنفسهم وخيلهم بعلامات هي موضع خلاف من حيث نوعها ولونها .