الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

{ إن يمسسكم } : يصبكم { قرح } : جراح وألم يوم أحد . { فقد مس القوم } : المشركين . { قرح مثله } يوم بدر . { وتلك الأيام } : أي أيام الدنيا { نداولها } نصرفها . { بين الناس } : مرة لفرقة ومرة عليها . { وليعلم الله الذين آمنوا } : مميزين بالايمان عن غيرهم أي إنما نجعل الدولة للكفار على المؤمنين ليميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا صابته نكبة والمعنى ليعلمهم مشاهدة كما علمهم غيبا . { ويتخذ منكم شهداء } : أي ليكرم قوما بالشهادة . { والله لا يحب الظالمين } : أي المشركين اي انه انما يديل المشركين على المؤ منين لما ذكر لا لانه يحبهم

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

قوله تعالى : " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " القرح الجرح . والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش ، مثل عَقْر{[3524]} وعُقْر . الفراء : هو بالفتح الجُرح ، وبالضم ألَمُه . والمعنى : إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله . وقرأ محمد بن السميقع " قَرَح " بفتح القاف والراء على المصدر . " وتلك الأيام نداولها بين الناس " قيل : هذا في الحرب ، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه ، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم ، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون . وقيل : " نداولها بين الناس " من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر . والدُّولَة الكرة ، قال الشاعر :

فيوم لنا ويوم علينا *** ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر

قوله تعالى : " وليعلم الله الذين آمنوا " معناه ، وإنما كانت هذه المداولة ليُرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض ، كما قال : " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين . وليعلم الذين نافقوا " {[3525]} [ آل عمران : 166 - 167 ] . وقيل : ليعلم صبر المؤمنين ، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم . وقد تقدم في " البقرة " {[3526]} هذا المعنى .

قوله تعالى :{ ويتخذ منكم شهداء } فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " أي يكرمكم بالشهادة ، أي ليُقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل : لهذا قيل شهيد : وقيل : سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة . وقيل : سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت{[3527]} دار السلام ، لأنهم أحياء عند ربهم ، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة ، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة ، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم ، ويكفيك في فضلها قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " {[3528]} [ التوبة : 111 ] الآية . وقوله : " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " إلى قوله : " ذلك الفوز العظيم " {[3529]} [ الصف : 10 - 11 - 12 ] وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة ) . وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال : ( كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ) . وفي البخاري : " من قتل من المسلمين يوم أحد " منهم حمزة واليمان والنضر{[3530]} بن أنس ومصعب بن عمير ، حدثني عمرو بن علي أن معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال : ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار . قال قتادة : وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون . قال : وكان بئر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب . وقال أنس : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن .

الثانية : في قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقول أهل السنة ؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين : حمزة وأصحابه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم ، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه ؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق : " ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم " {[3531]} [ التوبة : 46 ] . وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد ، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا .

الثالثة : روي عن{[3532]} علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له : ( خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا ) أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن . فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل . " والله لا يحب الظالمين " أي المشركين ، أي وإن أنال{[3533]} الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم ، وإن أحل ألما بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين .


[3524]:- في الأصول: "قفر وقفر" وهو تحريف.
[3525]:- راجع ص 265 من هذا الجزء.
[3526]:- راجع جـ2 ص 156.
[3527]:- في ب، د، هـ: أحضرت.
[3528]:- راجع جـ8 ص 266.
[3529]:- راجع جـ18 ص 86.
[3530]:- الذي في شرح القسطلاني على صحيح البخاري: "وأنس بن النضر، وهو عم أنس بن مالك كما ذكره أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما، ولأبي ذر "النضر بن أنس" وهو خطأ، والصواب الأول".
[3531]:- راجع جـ8 ص 156.
[3532]:- في ب و د و هـ: روى علي.
[3533]:- في هـ و د: أدال.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

قوله : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) القرح معناه الجراح ، قرحة : جرحه فهو قريح وهم قرحى{[595]} ومعنى الآية : أنهم إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال ؛ إذ قاتلوكم هنا في أحد ، فأنتم أولى أن لا تضعفوا . وذلك كقوله : ( فإنهم يألمون كما تألمون ) وعلى هذا إن أصابكم منهم قتل وجراح فقد أصابهم مثل ما أصابكم من القتل والجراح .

قوله : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ( تلك ) في محل رفع مبتدأ . ( الأيام ) صفته . ( نداولها ) جملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ . ويجوز أن تكون تلك مبتدأ ، والأيام خبرا .

والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة . ( نداولها ) : من المداولة ، وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر . يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته . ومنه قوله تعالى : ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيبا . ويقال : الدنيا دول ، تنتقل من قوم إلى آخرين ثم عنهم إلى غيرهم . ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل إليه . والمعنى أن أيام الدنيا دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك{[596]} .

والمقصود بالآية : أننا نصرف الأيام بين الناس ، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء . ومن أمثال العرب في هذا الصدد : الحرب سجال . وعن أبي سفيان أنه صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة ثم قال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا أبو بكر وها أنا عمر . فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال{[597]} .

إن ما حصل للمسلمين في أحد جدير بالتدبر الوقوف مليا كيما يستفيد المسلمون كثيرا من العبر والدروس بما يقيم لهم معالم تنير لهم الطريق ، وتكشف عن كثير من مواطن الضعف التي تتعثر بها إرادات الناس وهممهم في ساعات الهول والشدة . لا جرم أن انهزام المسلمين في أحد وما آل إليه ذلك من قروح أو أحزان ما فتئت الأقلام ترويه وتتحدث عنه كلما قرعت أسماعنا الذكرى وذلك لفداحة الصورة ومرارة القرح ، لكن ذلك كله قد تمخض عن دروس وعبر كانت في أهميتها وعظيم اعتبارها فوق ما خلفته هذه الحرب من خسارة مشهودة في الأرواح واضطرب العزائم ، وما حصل للمسلمين في ذلك اليوم أجدر أن ينشر في نفوسهم الثقة واليقين بقدر الله الذي لا يتخلف والذي لا يصدر عن عشوائية بل عن حكمة بالغة قد نعلمها وقد لا نعلمها إلا بعد طول تبصر وإدكار .

لقد تناولت الآيات هنا جملة من المعاني والحكم المقدورة في علم الله والتي تكمن فيما أصاب المسلمين في أحد مما نعرض لذكره هنا في هذا التفصيل وذلك في الحقائق التالية :

الحقيقة الأولى : تمييز الثابتين على الحق ، وذلك مستفاد من قوله تعالى : ( وليعلم الله الذين آمنوا ) وهو معطوف على علة محذوفة ، وتقدير الكلام هنا : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت ، وليعلم الله الذين آمنوا ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة لسليهم عما جرى ، وليعفرهم أن ما حصل لهم في هذه الواقعة فيه من المصالح ما لو عرفوه لسرهم .

لكن الإشكال في ظاهر قوله : ( وليعلم ) وظاهر ذلك يشي باكتساب العلم في حقه سبحانه . ومثل هذا الفهم باطل ، والصحيح ما قاله المتكلمون في هذا الصدد ، وهو أن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها فثبت أن التغيير في العلم محال ، إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم ، والقدرة على المقدور مجاز مشهور . يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه . وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية وجوه :

أحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق ، والمؤمن من الكافر ، والثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف إلى نفسه تفخيما{[598]} .

الحقيقة الثانية : اتخاذ الشهداء . وهو مقتضى قوله تعالى : ( ويتخذ منكم شهداء ) أي يكرمكم بالشهادة ، وهذه درجة عالية وكريمة وبالغة في الرفعة والسمو يكتبها الله لفريق من الأبرار المجاهدين الذين يقتلون بسلاح العدو في معركة النضال والشرف وهم يذودون عن دين الله ويدرأون عن الإسلام والمسلمين كيد الأشرار والأعادي . أولئك هم الأعلون الذين بوأهم الله ذروة التكريم في الجنة .

والشهداء ، جمع ومفرده شهيد . وهو القتيل في سبيل الله . وفي تعليل هذه الاسم عدة وجوه : منها : أن ملائكة الرحمة تشهد مقتله .

ومنها : أن الله وملائكته يشهدون له بالجنة .

ومنها : أنه يوم القيامة يشهد على الأمم السابقة مع النبيين والصديقين .

ومنها : سقوطه على الشاهدة وهي الأرض وذلك عقيب إصابته بما يقتل .

ومنها : سمي شهيدا بمعنى حاضر فهو حي عند ربه لم يمت ، وبذلك فإن أرواح الشهداء حية وقد حضرت دار السلام أما رواح غيرهم فلا تشهدها{[599]} .

ثم قال بعد ذلك : ( والله لا يحب الظالمين ) أي المشركين ، وهذه الجملة اعتراض بين بعض التعليل وبعض . وتأويل ذلك أن الله لا يحب المشركين . وهم إن أنالهم الله من المؤمنين فإن ذلك لما فيه من حكم وفوائد . وإنما يحب الله عباده المؤمنين .


[595]:- مختار الصحاح ص 527.
[596]:- تفسير الرازي جـ 9 ص 16
[597]:- الكشاف جـ 1 ص 466.
[598]:- التفسير الكبير للرازي جـ 9 ص 16، 17.
[599]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 316 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 218.