{ ومصدقا } أي وجئتكم مصدقا { لما بين يدي } أي الكتاب الذي أنزل من قبلي { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } أحل لهم على لسان المسيح لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى عليه السلام { وجئتكم بآية من ربكم } أي ما كان معه من المعجزات الدالة على رسالته ووحد لأنها كلها جنس واحد في الدلالة .
قوله تعالى : " ومصدقا " عطف على قوله : " ورسولا " . وقيل : المعنى وجئتكم مصدقا . " لما بين يدي " لما قبلي . " ولأحل لكم " فيه حذف ، أي ولأحل لكم جئتكم . " بعض الذي حرم عليكم " يعني من الأطعمة . قيل : إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حرم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة ، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر . وقيل : إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرمة عليهم . قال أبو عبيدة : يجوز أن يكون " بعض " بمعنى كل ، وأنشد لبيد :
تَرّاكُ أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حِمامُها
وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة ؛ لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع ؛ لأن عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم أشياء مما حرمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة . والدليل على هذا أنه{[3114]} روي عن قتادة أنه قال : جاءهم عيسى بألين مما جاء به موسى صلى الله عليهما وعلى نبينا ؛ لأن موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياء من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها . وقرأ النخعي " بعض الذي حرم عليكم " مثل كرم ، أي صار حراما . وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة تدل عليه ، كما قال الشاعر{[3115]} :
أبَا منذر أفنيت فاسْتَبْقِ بعضنا *** حَنَانَيْكَ بعض الشر أهْوَنُ من بعض
يريد بعض الشر أهون من كله . " وجئتكم بآية من ربكم " إنما وحد وهي آيات ؛{[3116]} لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته .
قوله : ( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ) ( مصدقا ) منصوب على الحال من جئتكم . وبيان ذلك أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان مؤمنا بالتوراة مقرا بها على أنها من عند الله . وكلك الأنبياء كلهم كانوا يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسالاته وإن اختلفت بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك .
على أن تصديق عيسى عليه السلام للتوراة معناه اعتقاده أن كل ما فيها حق وصواب . وهذه الحقيقة لا ينقضها قوله تعالى : ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) إنه لا تناقض بين المعنيين البتة . فتأويل هذه الآية بأمرين :
الأول : أن أحبار بني إسرائيل كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة مفتراة وكانوا قد نسبوها إلى كليم الله موسى عليه السلام . فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها .
الثاني : أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات .
وقال آخرون : إن عيسى عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة ، وذلك كله ليس قدحا في كون عيسى مصدقا بالتوراة ؛ لأن المقصود هو التخفيف عن بني إسرائيل مما أثقل كاهلهم وأعنتهم من الأحكام . {[475]}
وجملة القول أن قوله تعالى : ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح .
قوله : ( وجئتكم بآية من ربكم ) أعاد ذكر المعجزات ليؤثر في قلوبهم وطبائعهم تأثيرا . ثم خوفهم تخويفا إذ قال : ( فاتقوا الله وأطيعون ) أي اتقوا الله يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه المنزل إليكم ، وأوفوا بعهد الله الذي عاهدتموه فيه وأطيعون فيما دعوتكم إليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.