قال الضحاك : لما سرق الدرع اتخذ حفرة في بيته وجعل الدرع تحت التراب ؛ فنزلت " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله " يقول : لا يخفى مكان الدرع على الله " وهو معهم "
أي رقيب حفيظ عليهم . وقيل : " يستخفون من الناس " أي يستترون ، كما قال تعالى : " ومن هو مستخف بالليل{[4916]} " [ الرعد : 10 ] أي مستتر . وقيل : يستحيون من الناس ، وهذا لأن الاستحياء سبب الاستتار . ومعنى " وهو معهم " أي بالعلم والرؤية والسمع ، هذا قول أهل السنة . وقالت الجهمية والقدرية والمعتزلة : هو بكل مكان ، تمسكا بهذه الآية وما كان مثلها ، قالوا : لما قال " وهو معهم " ثبت أنه بكل مكان ؛ لأنه قد أثبت كونه معهم تعالى الله عن قولهم ، فإن هذه صفة الأجسام والله تعالى متعال عن ذلك ألا ترى مناظرة بِشْرٍ في قول الله عز وجل : " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم{[4917]} " [ المجادلة : 7 ] حين قال : هو بذاته في كل مكان فقال له خصمه : هو في قلنسوتك وفي حشوك{[4918]} وفي جوف حمارك . تعالى الله عما يقولون ! حكى ذلك وكيع رضي الله عنه . ومعنى " يبيتون " يقولون . قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . " ما لا يرضى من القول " أي ما لا يرضاه الله لأهل طاعته . " من القول " أي من الرأي والاعتقاد ، كقولك : مذهب مالك الشافعي . وقيل : " القول " بمعنى المقول ؛ لأن نفس القول لا يبيت .
قوله : ( وكان الله بما يعملون محيطا ) المقصود بذلك هم المنافقون بما فيهم سارق الدرع والذين خفّوا ينافحون عنه أمام النبي ( ص ) . وذلك تنديد بهؤلاء الخائنين المنافقين الذين يفترون الكذب ويسعون في نشاط لطمس جريمتهم وخيانتهم كيلا يطّلع عليها الناس . فهم لا يعبأون بغير النجاة من الناس ولا يتورعون عن ارتكاب المعصية إذا ما غابت عنهم الأبصار . وليس في استخفائهم من الناس وهم يطمرون كل معالم السرقة الحاصلة إلا الدلالة على أنهم يستحيون من البشر ولا يستحيون من الله . والأصل الذي ينبغي أن يكون هو الاستحياء من الله مع التحرر الكامل من كل سلطان للأرض على الإنسان في خلقه وطبعه وأعصابه .
إن الأصل الذي ينبغي أن يكون ، هو أن يبادر هؤلاء في الكشف عن الحقيقة من غير مواربة وافتراء ومن غير كذل وتحيل وليكن بعدها ما يكون مادام التوجه في القلب والوجدان والمشاعر إلى الله وما دامت السميرة تمضي في خط الله وفي ظله . أما أن يستخفي هؤلاء من الناس استحياء منهم من غير أن يخشوا ربهم ويستحيون منه فذلك هو الضعف الغامر الذي يؤول في الغالب إلى شر مفسدة وهو النفاق .
وعلى المرء أن يعلم في كل آن أن الله معه يسمع ويرى ويعلم كل ما يصدر عنه من حركة أو سكنة ليشمل ذلك كل همسة أو نبسة وكل خلجة أو خفقة ، كل ذلك يعلمه الله سبحانه وهو المطلع على الخفايا وما تكنه النوايا والقصود . إن الله مطلع على هؤلاء الذين لا يخجلون منه ويخجلون من عباده ، وهو كذلك رقيب عليهم من حيث أعمالهم وأقوالهم جميعا وهو سبحانه شاهد عليهم حيثما كانوا أو وهم ( يبيتون ما لا يرضى من القول ) أي يقولون ويأتمرون فيما بينهم بياتا والناس تغطيهم هجعة الليل الساكن ، فهم يأتمرون بالإسلام وأهله لينالوا منهم شرا .
هؤلاء المتأرجحون الذين اختانوا أنفسهم يتهددهم الله في وعيد مكشوف بقوله : ( وكان الله بما يعملون محيطا ) فالله عز وجل محيط عمله وهيمنته وجبروته بهذا الصنف من البشر حتى لا تخفى منهم عليه خافية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.