اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ} (11)

قوله : «قَوْمَ فِرْعَوْنَ » . بدل{[36899]} أو عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّالِمِينَ »{[36900]} . وقال أبو البقاء : إنه مفعول ( تَتَّقُونَ ) على قراءة من قرأ ( تَتَّقُونَ ) بالخطاب وفتح النون{[36901]} ، كما سيأتي . ويجوز على هذه القراءة أن يكون منادى{[36902]} . قوله : «أَلاَ يَتَّقُونَ » . العامة على الياء في «يَتَّقُونَ » وفتح النون ، والمراد قوم فرعون ، والمفعول محذوف ، أي : يتقون عقابي ، [ وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار ، وحماد{[36903]} ، وشقيق بن سلمة{[36904]} بالتاء من فوق{[36905]} على الالتفات ، خاطبهم بذلك توبيخاً ]{[36906]} {[36907]} والتقدير : يا قوم فرعون{[36908]} .

وقرأ بعضهم : «يَتَّقُونِ » بالياء من تحت ، وكسر النون{[36909]} ، وفيها تخريجان :

أحدهما : أن «يَتَّقُونِ » مضارع ، ومفعوله ياء المتكلم اجتزئ عنها بالكسرة{[36910]} .

والثاني : جوَّزه الزمخشري ، أن تكون «يا » للنداء ، و «اتَّقُونِ » فعل أمر ، كقوله : { أَلاَّ يَسْجُدُوا للَّهِ }{[36911]} أي : يا قوم اتقون{[36912]} ، أو يا ناس اتقون . وسيأتي تحقيق مثل هذا في السورة تحتها{[36913]} . وهذا تخريج بعيد{[36914]} .

وفي هذه الجملة وجهان :

أحدهما : أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب{[36915]} .

وجوّز الزمخشري أَن تكون حالاً من الضمير في «الظَّالِمِينَ » أي : يظلمون غير متَّقين اللَّهَ وعقابَه ، فأُدخلت همزةُ الإنكار على الحال{[36916]} . وخطأه أبو حيان من وجهين :

أحدهما : أنه يلزم عنه الفصل بين الحال وعاملها بأجنبي منهما ، فإن أعرب «قَوْمَ فِرْعَوْنَ » عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّالمينَ » .

والثاني : أنه على تقدير تسليم ذلك لا يجوز أيضاً ؛ لأن ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها ، قال : وقولك : ( جئتُ أمسرعاً ){[36917]} ، إن جعلت ( مسرعاً ) معمولاً ل ( جئت ) لم يجز ، فإن أضمرت عاملاً جاز{[36918]} . والظاهر أن «أَلاَ » للعرض{[36919]} .

وقال الزمخشري : إنها ( لا ) النافية ، دخلت عليها همزة الإنكار{[36920]} . وقيل : هي للتنبيه{[36921]} .

فصل{[36922]} :

قوله{[36923]} : { وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى } حين رأى الشجرة والنار { أَنِ ائت القوم الظالمين } أي : الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ، فحكم عليهم بالظلم من وجهين :

الأول : ظلموا أنفسهم بكفرهم .

والثاني : ظلمهم بني إسرائيل{[36924]} باستعبادهم وسومهم سوء العذاب{[36925]} . «قَوْمَ فِرْعَوْنَ » عطف «قَوْمَ فِرْعَوْنَ » على «القَوْمَ الظَّالِمينَ » فهما يدلان لفظاً على معنى واحد{[36926]} . «أَلاَ يَتَّقُونَ » أي : يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته . ومن قرأ «تَتَّقُونَ » بالخطاب{[36927]} فعلى الإلتفات إليهم وصرف{[36928]} وجوههم بالإنكار والغضب عليهم ، كمن يشكو من جناية والجاني حاضر ، فإذا اندفع في الشكاية ، وحمي غضبه قطع بأنه يخاطب صاحبه ، وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه ويقول له : ألم تتق الله ؟ ألم تستحي من الناس ؟ فإن قيل : فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى - عليه السلام{[36929]} - في وقت المناجاة ، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون ؟ . قلنا : أجري ذلك في تكليم المرسل{[36930]} إليهم معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم ، لأنه مبلغهم{[36931]} ، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى ، وكم من آية نزلت في الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً بها ، واعتباراً بمواردها{[36932]} .


[36899]:انظر التبيان 2/994، القرطبي 13/91.
[36900]:انظر الكشاف 3/108.
[36901]:حكاه أبو البقاء، فإنه قال: ( وقيل: هو مفعول "يتقون") التبيان 2/994.
[36902]:المرجع السابق.
[36903]:هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، الإمام الكبير، روى عن عاصم، وابن كثير، وروى عنه حجاج بن المنهال، وغيره، مات سنة 167 هـ. طبقات القراء 1/258.
[36904]:هو شقيق بن سلمة أبو وائل الكوفي الأسدي، أدرك زمن النبي- صلى الله عليه وسلم عرض على عبد الله بن مسعود، وروى عنه الأعمش. مات سنة 82 هـ. طبقات القراء 1/328.
[36905]:أي: "تتقون"، وخرجها ابن جني على إضمار قول، أي: قل لهم: ألا تتقون. انظر المحتسب 2/127، وتفسير ابن عطية 11/93، البحر المحيط 7/7.
[36906]:انظر الكشاف 3/108، البحر المحيط 7/7.
[36907]:ما بين القوسين تكملة من الدر المصون 5/151.
[36908]:انظر التبيان 2/994.
[36909]:قال ابن خالويه: ("ألا يتقون" بكسر النون أجازه عيسى ) المختصر (106).
[36910]:قال الزمخشري: قرىء "ألا يتقون" بكسر النون، بمعنى: ألا يتقونني، فحذفت النون، لاجتماع النونين، والياء للاكتفاء بالكسرة) الكشاف 3/108.
[36911]:في ب: "ألا يسجدوا" [النمل: 25]، وما في الأصل قراءة الكسائي، وما في ب: قراءة الباقين.
[36912]:قال الزمخشري: وفي "ألا يتقون" بالياء وكسر النون وجه آخر وهو أن يكون المعنى: ألا يا ناس اتقون، كقوله: "ألا يسجدوا". الكشاف 3/108.
[36913]:أي: في السورة التي بعدها، وهي سورة النمل.
[36914]:قال أبو حيان: ( وهو تخريج بعيد والظاهر أن (ألا) للعرض المضمن الحضّ على التقوى) البحر المحيط 7/7.
[36915]:انظر الكشاف 3/108.
[36916]:المرجع السابق.
[36917]:في النسختين: جئت مسرعاً. والتصويب من البحر المحيط.
[36918]:انظر البحر المحيط 7/7.
[36919]:هو قول أبي حيان. البحر المحيط 7/7.
[36920]:تابع ابن عادل هنا أبا حيان في النقل عن الزمخشري، وعبارة الزمخشري هي: ( ويحتمل أن يكون "لا يتقون" حالاً من الضمير في "الظالمين" أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال) الكشاف 3/108.
[36921]:فيكون المعنى: قل لهم: ألا تتقون. انظر القرطبي 9113. وقال أبو حيان: ( وقول من قال: إنها للتنبيه لا يصح) البحر المحيط 7/7.
[36922]:فصل: سقط من ب.
[36923]:قوله: سقط من الأصل.
[36924]:إسرائيل: سقط من ب.
[36925]:انظر الفخر الرازي 24/121.
[36926]:المرجع السابق.
[36927]:وهي قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد، وشقيق بن سلمة.
[36928]:في النسختين: وضرب. والتصويب عن الفخر الرازي.
[36929]:في ب: عليه الصلاة والسلام.
[36930]:في النسختين: الرسل. والتصويب من الفخر الرازي.
[36931]:في النسختين: مبلغه. والتصويب من الفخر الرازي.
[36932]:انظر: الفخر الرازي 24/122.