مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (26)

قوله تعالى : { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما } .

{ إذ } يحتمل أن يكون ظرفا فلا بد من فعل يقع فيه ويكون عاملا له ، ويحتمل أن يكون مفعولا به ، فإن قلنا إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يقال هو مذكور ، ويحتمل أن يقال هو مفهوم غير مذكور ، فإن قلنا هو مذكور ففيه وجهان ( أحدهما ) هو قوله تعالى : { وصدوكم } أي وصدوكم حين جعلوا في قلوبهم الحمية ( وثانيها ) قوله تعالى : { لعذبنا الذين كفروا منهم } أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم الحمية ( والثاني ) أقرب لقربه لفظا وشدة مناسبته معنى لأنهم إذا جعلوا في قلوبهم الحمية لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد ، والمؤمنون لما أنزل الله عليهم السكينة لا يتركون الاجتهاد في الجهاد والله مع المؤمنين فيعذبونهم عذابا أليما أو غير المؤمنين ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم غير مذكور ففيه وجهان ( أحدهما ) حفظ الله المؤمنين عن أن يطئوهم وهم الذين كفروا الذين جعل في قلوبهم الحمية ( وثانيها ) أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فأنزل الله سكينته } تفسير لذلك الإحسان ، وأما إن قلنا إنه مفعول به ، فالعامل مقدر تقديره أذكر ، أي أذكر ذلك الوقت ، كما تقول أتذكر إذ قام زيد ، أي أتذكر وقت قيامه كما تقول أتذكر زيدا ، وعلى هذا يكون الظرف للفعل المضاف إليه عاملا فيه ، وفيه لطائف معنوية ولفظية : ( الأولى ) هو أن الله تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء ( أحدها ) جعل ما للكافرين بجعلهم فقال : { إذ جعل الذين كفروا } وجعل ما للمؤمنين بجعل الله ، فقال : { فأنزل الله } وبين الفاعلين ما لا يخفى ( ثانيها ) جعل للكافرين الحمية وللمؤمنين السكينة وبين المفعولين تفاوت على ما سنذكره ( ثالثها ) أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى نفسه حيث قال : حمية الجاهلية ، وقال : سكينته ، وبين الإضافتين ما لا يذكر ( الثانية ) زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شيء بشيء فعلهم بفعل الله والحمية بالسكينة والإضافة إلى الجاهلية بالإضافة إلى الله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } وسنذكر معناه ، وأما اللفظية فثلاث لطائف ( الأولى ) قال في حق الكافر ( جعل ) وقال في حق المؤمن ( أنزل ) ولم يقل خلق ولا جعل سكينته إشارة إلى أن الحمية كانت مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى ، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرحمة معدة لعباده فأنزلها ( الثانية ) قال الحمية ثم أضافها بقوله { حمية الجاهلية } لأن الحمية في نفسها صفة مذمومة وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحا ، وللحمية في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهلية . وأما السكينة في نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى الله فيها من الحسن ما لا يبقى معه لحسن اعتبار ، فقال { سكينته } اكتفاه بحسن الإضافة ( الثالثة ) قوله { فأنزل } بالفاء لا بالواو إشارة إلى أن ذلك كالمقابلة تقول أكرمني فأكرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت أكرمني وأكرمته لا ينبئ عن ذلك ، وحينئذ يكون فيه لطيفة : وهي أن عند اشتداد غضب أحد العدوين فالعدو الآخر إما أن يكون ضعيفا أو قويا ، فإن كان ضعيفا ينهزم وينقهر ، وإن كان قويا فيورث غضبه فيه غضبا ، وهذا سبب قيام الفتن والقتال فقال في نفس الحركة عند حركتهم ما أقدمنا وما انهزمنا ، وقوله تعالى : { فأنزل الله } بالفاء يدل تعلق الإنزال بالفاء على ترتيبه على شيء ، نقول فيه وجهان : ( أحدهما ) ما ذكرنا من أن إذ ظرف كأنه قال أحسن الله { إذ جعل الذين كفروا } وقوله { فأنزل } تفسير لذلك الإحسان كما يقال أكرمني فأعطاني لتفسير الإكرام ( وثانيهما ) أن تكون الفاء للدلالة على أن تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية في قلوبهم على معنى المقابلة ، تقول أكرمني فأثنيت عليه ، ويجوز أن يكونا فعلين واقعين من غير مقابلة ، كما تقول جاءني زيد وخرج عمرو ، وهو هنا كذلك لأنهم لما جعلوا في قلوبهم الحمية فالمسلمون على مجرى العادة لو نظرت إليهم لزم أن يوجد منهم أحد الأمرين : إما إقدام ، وإما انهزام . لأن أحد العدوين إذا اشتد غضبه فالعدو الآخر إن كان مثله في القوة يغضب أيضا وهذا يثير الفتن ، وإن كان أضعف منه ينهزم أو ينقاد له فالله تعالى أنزل في مقابلة حمية الكافرين على المؤمنين سكينته حتى لم يغضبوا ولم ينهزموا بل يصبروا ، وهو بعيد في العادة فهو من فضل الله تعالى ، قوله تعالى : { على رسوله وعلى المؤمنين } فإنه هو الذي أجاب الكافرين إلى الصلح ، وكان في نفس المؤمنين أن لا يرجعوا إلا بأحد الثلاثة بالنحر في المنحر ، وأبوا أن لا يكتبوا محمدا رسول الله وبسم الله ، فلما سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكن المؤمنون ، وقوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } فيه وجوه أظهرها أنه قول لا إله إلا الله فإن بها يقع الاتقاء عن الشرك ، وقيل هو بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله فإن الكافرين أبوا ذلك والمؤمنون التزموه ، وقيل هي الوفاء بالعهد إلى غير ذلك ونحن نوضح فيه ما يترجح بالدليل فنقول { وألزمهم } يحتمل أن يكون عائدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعا يعني ألزم النبي والمؤمنين كلمة التقوى ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى المؤمنين فحسب ، فإن قلنا إنه عائد إليهما جميعا نقول هو الأمر بالتقوى فإن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم : { يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين } وقال للمؤمنين { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته } والأمر بتقوى الله حتى تذهله تقواه عن الالتفات إلى ما سوى الله ، كما قال في حق النبي صلى الله عليه وسلم { اتق الله ولا تطع الكافرين } وقال تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ثم بين له حال من صدقه بقوله { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } وأما في حق المؤمنين فقال : { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته } وقال : { فلا تخشوهم واخشوني } وإن قلنا بأنه راجع إلى المؤمنين فهو قوله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ألا ترى إلى قوله { واتقوا الله } وهو قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } وفي معنى قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } على هذا معنى لطيف وهو أنه تعالى إذا قال : ( اتقوا ) يكون الأمر واردا ثم إن من الناس من يقبله بتوفيق الله ويلتزمه ومنهم من لا يلتزمه ، ومن التزمه فقد التزمه بإلزام الله إياه فكأنه قال تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } وفي هذا المعنى رجحان من حيث إن التقوى وإن كان كاملا ولكنه أقرب إلى الكلمة ، وعلى هذا فقوله { وكانوا أحق بها وأهلها } معناه أنهم كانوا عند الله أكرم الناس فألزموا تقواه ، وذلك لأن قوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون معناه أن من يكون تقواه أكثر يكرمه الله أكثر ( والثاني ) أن يكون معناه أن من سيكون أكرم عند الله وأقرب إليه كان أتقى ، كما في قوله «والمخلصون على خطر عظيم » وقوله تعالى : { هم من خشية ربهم مشفقون } وعلى الوجه الثاني يكون معنى قوله { وكانوا أحق بها } لأنهم كانوا أعلم بالله لقوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } وقوله { وأهلها } يحتمل وجهين ( أحدهما ) أنه يفهم من معنى الأحق أنه يثبت رجحانا على الكافرين إن لم يثبت الأهلية ، كما لو اختار الملك اثنين لشغل وكل واحد منهما غير صالح له ولكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق فقال في الأقرب إلى الاستحقاق إذا كان ولا بد فهذا أحق ، كما يقال الحبس أهون من القتل مع أنه لاهين هناك فقال : { وأهلها } دفعا لذلك ( الثاني ) وهو أقوى وهو أن يقال قوله تعالى : { وأهلها } فيه وجوه نبينها بعد ما نبين معنى الأحق ، فنقول هو يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون الأحق بمعنى الحق لا للتفضيل كما في قوله تعالى : { خير مقاما وأحسن نديا } إذ لا خير في غيره ( والثاني ) أن يكون للتفضيل وهو يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون بالنسبة إلى غيرهم أي المؤمنون أحق من الكافرين ( والثاني ) أن يكون بالنسبة إلى كلمة التقوى من كلمة أخرى غير تقوى ، تقول زيد أحق بالإكرام منه بالإهانة ، كما إذا سأل شخص عن زيد إنه بالطب أعلم أو بالفقه ، نقول هو بالفقه أعلم أي من الطب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (26)

{ إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ } منصوب باذكر على المفعولية أو بعذبنا على الظرفية أو بصدوكم كذلك ، وقيل : بمضمر هو أحسن الله تعالى إليكم . وأياً ما كان فالذين فاعل { جَعَلَ } ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة وتعليل الحكم به ، والجعل إما بمعنى الإلقاء فقوله تعالى : { فِى قُلُوبِهِمُ الحمية } متعلق به أو بمعنى التصيير فهو متعلق بمحذوف هو مفعول ثان له أي جعلوا الحمية راسخة في قلوبهم ولكونها مكتسبة لهم من وجه نسب جعلها إليهم ، وقال النيسابوري : يجوز أن يكون فاعل { جَعَلَ } ضمير الله تعالى و { فِى قُلُوبِهِمْ } بيان لمكان الجعل ومآل المعنى إذ جعل الله في قلوبهم الذين كفروا الحمية وهو كما ترى ، والحمية الآنفة يقال : حميت عن كذا حمية إذا أنفت منه وداخلك عار منه .

وقال الراغب : عبر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت بالحمية فقيل : حميت على فلان أي غضبت عليه ، وقوله تعالى : { حَمِيَّةَ الجاهلية } بدل من الحمية أي حمية الملة الجاهلية أو الحمية الناشئة من الجاهلية لأنها بغير حجة وفي غير موضعها ، وقوله تعالى : { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } عطف على { جَعَلَ } على تقدير جعل { إِذْ } معمولاً لأذكر ، والمراد تذكير حسن صنيع الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بتوفيق الله تعالى وسوء صنيع المشركين وعلى ما يدل عليه الجملة الامتناعية على تقدير جعلها طرفاً لعذبنا كأنه قيل : فلم يتزيلوا فلم نعذب فأنزل الخ ، وعلى مضمر عامل فيها على الوجه الأخير المحكي ويكون هذا كالتفسير لذاك ، وأما على جعلها ظرفاً لصدوكم فقيل : العطف على { جَعَلَ } وقيل : على { صَدُّوكُمْ } وهو نظير الطائر فيغضب زيد الذباب ؛ والأولى من هذه الأوجه لا يخفى ، والسكينة الاطمئنان والوقار ، روى غير واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بمن معه إلى الحديبية حتى إذا كان بذي الحليفة قلد الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عيناً من خزاعة يخبره عن قريش وسار عليه الصلاة والسلام حتى كان بغدير الأشطاط قريباً من عسفان أتاه عينه فقال : إن قريشاً جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فاستشار الناس في الإغارة على ذراري من أعانهم فقال أبو بكر : الله تعالى ورسوله أعلم يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه فقال صلى الله عليه وسلم : امضوا على اسم الله فسار حتى نزل بأقصى الحديبية فجاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه فقال له إني قد تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي نزلوا قريباً معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال عليه الصلاة والسلام : إنا لم نجيء لقتال أحد ولكن معتمرين وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وأن أظهرني الله تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلتهم وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهره الله تعالى أو تنفرد هذه السالفة فقال بديل : سأبلغهم ما تقول فبلغهم فقال عروة بن مسعود الثقفي لهم : دعوني آته فأتاه عليه الصلاة والسلام فقال له نحو ما قال لبديل وجرى من الكلام ما جرى ورأى من احترام الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم إياه ما رأى فرجع إلى أصحابه فأخبرهم بذلك وقال لهم : إنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال عليه الصلاة والسلام : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع وأخبر أصحابه فقال رجل يقال له مكرز بن حفص : دعوني آته فلما أشرف قال عليه الصلاة والسلام : هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي فقال صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم وكان قد بعثه قريش وقالوا له : ائت محمداً فصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبداً فلما انتهى إليه عليه الصلاة والسلام تكلم فأطال وانتهى الأمر إلى الصلح وكتابة كتاب في ذلك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم علياً كرم الله تعالى وجهه فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل : لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم فكتبها ثم قال : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال سهيل : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فقال عليه الصلاة والسلام : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو صلحاً على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وأن محمداً يرجع عن مكة عامه هذا فلا يدخلها وأنه إذا كان عام قابل خرج أهل مكة فدخلها بأصحابه فأقام بها ثلاثاً معه سلاح الراكب السيوف في القرب لا يدخلها بغيرها .

وظاهر هذا الخبر أن سهيلاً لم يرض أن يكتب محمد رسول الله قبل أن يكتب ؛ وجاء في رواية أنه كتب فلم يرض فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي كرم الله تعالى وجهه : امحه فقال : ما أنا بالذي امحاه ، وجاء هذا في رواية للبخاري ، ولمسلم وفي رواية للبخاري في المغازي فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، وكذا أخرجه النسائي . وأحمد ولفظه فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، وتمسك بظاهر هذه الرواية كما في «فتح الباري » أبو الوليد الباجي على أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب بعد إن لم يكن يحسن أن يكتب ووافقه على ذلك شيخه أبو ذر الهروي . وأبو الفتح النيسابوري . وآخرون من علماء أفريقية ، والجمهور على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب ، وأن قوله : وأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب لبيان أنه عليه الصلاة والسلام احتاج لأن يريه علي كرم الله تعالى وجهه موضع الكلمة التي امتنع من محوها لكونه كان لا يحسن الكتابة ، وقوله : فكتب بتقدير فمحاها فأعاد الكتاب لعلي فكتب أو أطلق فيه كتب على أمر بالكتابة ، وتمام الكلام في محله فكانت حميتهم على ما في «الدر المنثور » عن جماعة أنهم لم يقروا أنه صلى الله عليه وسلم رسول ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بين المسلمين والبيت وقدهم المؤمنون لذلك أن يبطشوا بهم فأنزل الله تعالى سكينته عليهم فتوقروا وحلموا . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في حمية الجاهلية : حمت قريش أن يدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لا يدخلها علينا أبداً ، وقال ابن بحر : كما في «البحر » حميتهم عصبيتهم لآلهتهم والانفة أن يعبدوا غيرها ، وفي توسيط علي بين الرسول والمؤمنين إيماءً إلى أنه سبحانه أنزل على كل سكينة لائقة به .

ووجه تقديم الإنزال على الرسول عليه الصلاة والسلام لا يخفى ؛ وقال الإمام : في هذه الآية لطائف معنوية وهو أنه تعالى أبان غاية البون بين المؤمنين والكافرين حيث باين بين الفاعلين إذ فاعل { جَعَلَ } هو الكفار وفاعل { أَنَزلَ } هو الله تعالى ، وبين المفعولين إذ تلك حمية وهذه سكينة .

وبين الإضافتين إضافة الحمية إلى الجاهلية وإضافة السكينة إليه تعالى ، وبين الفعلين { جَعَلَ . وَأَنزَلَ } فالحمية مجعولة في الحال كالعرض الذي لا يبقى والسكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة فأنزلها والحمية قبيحة مذمومة في نفسها وازدادت قبحاً بالإضافة إلى الجاهلية والسكينة حسنة في نفسها وازدادت حسناً بإضافتها إلى الله عز وجل ، والعطف في فأنزل بالفاء لا بالواو يدل على المقابلة والمجازاة تقول : أكرمني زيد فأكرمته فيدل على أن إنزال السيكنة لجعلهم الحمية في قلوبهم حتى أن المؤمنين لم يغضبوا ولم ينهزموا بل صبروا ، وهو بعيد في العادة فهو من فضل الله تعالى انتهى وهو مما لا بأس به { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } هي لا إله إلا الله كما أخرج ذلك الترمذي . وعبد الله بن أحمد . والدارقطني . وغيرهم عن أبي بن كعب مرفوعاً وكما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة . وسلمة بن الأكوع كذلك ؛ وأخرج أحمد . وابن حبان . والحاكم عن حمران أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه إلا حرم على النار فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أنا أحدثكم ما هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله سبحانه محمداً وأصحابه وهي كلمة التقوى التي ألاص عليها نبي الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله » وروي ذلك أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه على ما نقل أبو حيان . وابن عمر . وابن عباس . وعكرمة . ومجاهد . والحسن . وقتادة . وسعيد بن جبير في آخرين ، وأخرج ذلك عبد بن حميد . وابن جرير عن عطاء الخراساني بزيادة محمد رسول الله ، وأضيفت إلى التقوى لأنها بها يتقي الشرك ومن هنا قال ابن عباس فيما أخرجه ابن المنذر . وغيره : هي رأس كل تقوى ، وظاهر كلام عمر رضي الله تعالى عنه أن ضمير هم في { ألزمهم } للرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه وإلزامهم إياها بالحكم والأمر بها ، وأخرج عبد الرزاق . والحاكم وصححه . والبيهقي في الأسماء والصفات . وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : هي لا إله إلا الله والله أكبر ، وروي عن ابن عمر أيضاً نحوه ؛ وأخرج ابن أبي حاتم . والدارقطني في الإفراد عن المسور بن مخرمة قال : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وعن عطاء بن أبي رباح . ومجاهد أيضاً أنها لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وأخرج عبد بن حميد .

وابن جرير . وغيرهما عن الزهري قال : هي بسم الله الرحمن الرحيم ، وضم بعضهم إلى هذا محمد رسول الله ، والمراد بإلزامهم إياها اختيارها لهم دون من عدل عنها إلى باسمك اللهم ومحمد بن عبد الله ، وقيل : هي الثبات والوفاء بالعهد ، ونسبه الخفاجي إلى الحسن ، وإلزامهم إياه أمرهم به ، وإطلاق الكلمة على الثبات على العهد والوفاء به قيل : لما أن كلا يتوصل به إلى الغرض وهو نظير ما قيل في إطلاق الكلمة على عيسى عليه السلام من أن ذلك لأن كلاً منهما يهتدى به ، وجعلت الإضافة على كونها بمعنى الثبات من باب إضافة السبب إلى المسبب فهي إضافة لأدنى ملابسة ، وجوز أن تكون اختصاصية حقيقية بتقدير مضاف أي كلمة أهل التقوى ، وأريد بالعهد على ما يقتضيه ظاهر سبب النزول عهد الصلح الذي وقع بينه صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة ؛ وقيل : ما يعم ذلك وسائر عهودهم معه عز وجل .

وأنت تعلم أن الوجه المذكور في نفسه غير ظاهر ، ومثله ما قيل : المراد بالكلمة قولهم في الأصلاب : بلى مقرين بوحدانيته جل شأنه ، وبالإلزام الأمر بالثبات والوفاء بها ، وقيل : هي قول المؤمنين سمعاً وطاعة حين يؤمرون أو ينهون ، والظاهر عليه كون الضمير للمؤمنين ، وأرجح الأقوال في هذه الكلمة ما روي مرفوعاً وذهب إليه الجم الغفير ، ولعل ما ذكر في الأخبار السابقة من باب الاكتفاء ، والمراد لا إله إلا الله محمد رسول الله .

{ وَكَانُواْ } عطف على ما تقدم أو حال من المنصوب في { ألزمهم } بتقدير قد أو بدونه والظاهر في الضمير عوده كسابقه كما اقتضاه كلام عمر رضي الله تعالى عنه على الرسول والمؤمنين ، واستظهر بعضهم عوده على المؤمنين وكأنه اعتبر الأول عائداً عليهم أيضاً وهو مما لا بأس فيه ، ولعله اعتبر الأقربية ، فالمعنى وكان المؤمنون في علم الله تعالى { وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا } أي بكلمة التقوى ، وأفعل لزيادة الحقية في نفسها أي متصفين بمزيد استحقاق لها أو على ما هو المشهور فيه والمفضل عليه محذوف أي أحق بها من كفار مكة لأن الله تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وقيل : من اليهود والنصارى ، وقيل من جميع الأمم لأنهم خير أمة أخرجت للناس .

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد منهم أن يقول : لا إله إلا الله في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقولها أكثر من ذلك ، وكان قائلها يمد بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله تعالى ، وقد جعل الله عز وجل لهذه الأمة أن يقولوها متى شاءوا وهو قوله تعالى : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا وكانوا أحق بها ، وهذا مما لم يثبت ، وجوز الإمام كون التفضيل بالنسبة إلى غير كلمة التقوى أي أحق بها من كلمة غير كلمة تقوى وقال : وهذا كما تقول زيد أحق بالإكرام منه بالإهانة ، وقولك إذا سئل شخص عن زيد بالطب أعلم أو بالفقه : زيد أعلم بالفقه أي من الطب ، وفيه غفلة لا تخفى { وَأَهْلُهَا } أي المستأهل لها وهو أبلغ من الأحق حتى قيل بينه وبين الأحق كما بين الأحق والحق ، وقيل : إن أحقيتهم بها من الكفار تفهم رجحانهم رجحاناً ما عليهم ولا تثبت الأهلية كما إذا اختار الملك اثنين لشغل وكل واحد منهما غير صالح له لكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق فيقال للأقرب إليه إذا كان ولا بد فهذا أحق كما يقال : الحبس أهون من القتل ، ولدفع توهم مثل هذا فيما نحن فيه قال سبحانه : { وَأَهْلُهَا } وقيل : أريد أنهم أحق بها في الدنيا وأهلها بالثواب في الآخرة ، وقيل : في الآية تقديم وتأخير والأصل وكانوا أهلها وأحق بها ، وكذلك هي في مصحف الحرث بن سويد صاحب ابن مسعود وهو الذي دفن مصحفه لمخالفته الإمام أيام الحجاج وكان من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم ، وقيل : ضمير { كَانُواْ } عائد على كفار مكة أي وكان أولئك الكفار الذين جعلوا في قلوبهم الحمية أحق بكلمة التقوى لأنهم أهل حرم الله تعالى ومنهم رسوله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم إنذارهم لولا ما سلبوا من التوفيق ، وفيه ما فيه سواء رجع ضمير { *ألزمهم } إلى كفار مكة أيضاً أم لا ، وأظن في قائله نزغة رافضية دعته إلى ذلك لكنه لا يتم به غرضه ، وقيل : ضمير { وَلَوْ كَانُواْ } للمؤمنين إلا أن ضميري { بِهَا . وَأَهْلَهَا } للسكينة ، وفيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير داع ، وقيل : هما لمكة أي وكانوا أحق بمكة أن يدخلوها وأهلها ، وأشعر بذكر مكة ذكر المسجد الحرام في قوله تعالى : { وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام } [ الفتح : 25 ] وكذا محل الهدى في قوله سبحانه : { والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } [ الفتح : 25 ] وفيه ما لا يخفى { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } فيعلم سبحانه حق كل شيء واستئهاله لما يستأهله فيسوق عز وجل الحق إلى مستحقه والمستأهل إلى مستأهله أو فيعلم هذا ويعلم ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إنزال السكينة والرضا بالصلح فيكون تذييلاً لجميع ما تقدم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (26)

{ 26 } { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }

يقول تعالى : { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } حيث أنفوا من كتابة { بسم الله الرحمن الرحيم } وأنفوا من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إليهم في تلك السنة ، لئلا يقول الناس : { دخلوا مكة قاهرين لقريش } وهذه الأمور ونحوها من أمور الجاهلية ، لم تزل في قلوبهم حتى أوجبت لهم ما أوجبت من كثير من المعاصي ، { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به ، بل صبروا لحكم الله ، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت ، ولم يبالوا بقول القائلين ، ولا لوم اللائمين .

{ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } وهي { لا إله إلا الله } وحقوقها ، ألزمهم القيام بها ، فالتزموها وقاموا بها ، { وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا } من غيرهم { و } كانوا { أهلها } الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير ، ولهذا قال : { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }